فهرس الكتاب

الصفحة 3973 من 8321

{ لابثين فِيهَا أَحْقَابًا } [ النبأ: 23 ] بين تعالى أن لبثهم في ذلك العذاب لا يكون إلا أحقابًا معدودة .

وأما العقل فوجهان: الأول: أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب لا نهاية له ظلم وأنه لا يجوز . الثاني: أن ذلك العقاب ضرر خال عن النفع فيكون قبيحًا بيان خلوه عن النفع أن ذلك النفع لا يرجع إلى الله تعالى لكونه متعاليًا عن النفع والضرر ولا إلى ذلك المعاقب لأنه في حقه ضرر محض ولا إلى غيره ، لأن أهل الجنة مشغولون بلذاتهم فلا فائدة لهم في الالتذاذ بالعذاب الدائم في حق غيرهم ، فثبت أن ذلك العذاب ضرر خال عن جميع جهات النفع فوجب أن لا يجوز ، وأما الجمهور الأعظم من الأمة ، فقد اتفقوا على أن عذاب الكافر دائم وعند هذا احتاجوا إلى الجواب عن التمسك بهذه الآية . أما قوله: { خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض } فذكروا عنه جوابين: الأول: قالوا المراد سموات الآخرة وأرضها . قالوا والدليل على أن في الآخرة سماء وأرضًا قوله تعالى: { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسموات } [ إبراهيم: 48 ] وقوله: { وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء } [ الزمر: 74 ] وأيضًا لا بد لأهل الآخرة مما يقلهم ويظلهم ، وذلك هو الأرض والسموات .

ولقائل أن يقول: التشبيه إنما يحسن ويجوز إذا كان حال المشبه به معلومًا مقررًا فيشبه به غيره تأكيدًا لثبوت الحكم في المشبه ووجود السموات والأرض في الآخرة غير معلوم وبتقدير أن يكون وجوده معلومًا إلا أن بقاءها على وجه لا يفنى ألبتة غير معلوم ، فإذا كان أصل وجودهما مجهولًا لأكثر الخلق ودوامهما أيضًا مجهولًا للأكثر ، كان تشبيه عقاب الأشقياء به في الدوام كلامًا عديم الفائدة ، أقصى ما في الباب أن يقال: لما ثبت بالقرآن وجود سموات وأرض في الآخرة وثبت دوامهما وجب الاعتراف به ، وحينئذ يحسن التشبيه ، إلا أنا نقول: لما كان الطريق في إثبات دوام سموات أهل الآخرة ودوام أرضهم هو السمع ، ثم السمع دل على دوام عقاب الكافر ، فحينئذ الدليل الذي دل على ثبوت الحكم في الأصل حاصل بعينه في الفرع ، وفي هذه الصورة أجمعوا على أن القياس ضائع والتشبيه باطل ، فكذا ههنا .

والوجه الثاني: في الجواب قالوا إن العرب يعبرون عن الدوام والأبد بقولهم ما دامت السموات والأرض ، ونظيره أيضًا قولهم ما اختلف الليل والنهار ، وما طما البحر ، وما أقام الجبل ، وأنه تعالى خاطب العرب على عرفهم في كلامهم فلما ذكروا هذه الأشياء بناء على اعتقادهم أنها باقية أبد الآباد ، علمنا أن هذه الألفاظ بحسب عرفهم تفيد الأبد والدوام الخالي عن الانقطاع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت