فهرس الكتاب

الصفحة 4042 من 8321

فإن قيل: كيف يجوز حمل الآية على ادعاء المعجزة مع أنه لم يتقدم ادعاء للنبوة؟

قلنا: إنه وإن لم يذكر ذلك لكن يعلم أنه لا بد وأن يقال: إنه كان قد ذكره ، وأيضًا ففي قوله: { ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } وفي قوله: { واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي } ما يدل على ذلك .

ثم قال تعالى: { ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } أي لست أخبركما على جهة الكهانة والنجوم ، وإنما أخبرتكما بوحي من الله وعلم حصل بتعليم الله .

ثم قال: { إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: لقائل أن يقول: في قوله: { إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله } توهم أنه عليه السلام كان في هذه الملة . فنقول جوابه من وجوه: الأول: أن الترك عبارة عن عدم التعرض للشيء وليس من شرطه أن يكون قد كان خائضًا فيه . والثاني: وهو الأصح أن يقال إنه عليه السلام كان عبدًا لهم بحسب زعمهم واعتقادهم الفاسد ، ولعله قبل ذلك كان لا يظهر التوحيد والإيمان خوفًا منهم على سبيل التقية ، ثم إنه أظهره في هذا الوقت ، فكان هذا جاريًا مجرى ترك ملة أولئك الكفرة بحسب الظاهر .

المسألة الثانية: تكرير لفظ { هُمْ } في قوله: { وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون } لبيان اختصاصهم بالكفر ، ولعل إنكارهم للمعاد كان أشد من إنكارهم للمبدأ ، فلأجل مبالغتهم في إنكار المعاد كرر هذا اللفظ للتأكيد .

واعلم أن قوله: { إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله } إشارة إلى علم المبدأ . وقوله: { وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون } إشارة إلى علم المعاد ، ومن تأمل في القرآن المجيد وتفكر في كيفية دعوة الأنبياء عليهم السلام علم أن المقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب صرف الخلق إلى الإقرار بالتوحيد وبالمبدأ والمعاد ، وإن ما وراء ذلك عبث .

ثم قال تعالى: { واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي إبراهيم وإسحاق وَيَعْقُوبَ } وفيه سؤالات:

السؤال الأول: ما الفائدة في ذكر هذا الكلام .

الجواب: أنه عليه السلام لما ادعى النبوة وتحدى بالمعجزة وهو علم الغيب قرن به كونه من أهل بيت النبوة ، وأن أباه وجده وجد أبيه كانوا أنبياء الله ورسله ، فإن الإنسان متى ادعى حرفة أبيه وجده لم يستبعد ذلك منه ، وأيضًا فكما أن درجة إبراهيم عليه السلام وإسحاق ويعقوب كان أمرًا مشهورًا في الدنيا ، فإذا ظهر أنه ولدهم عظموه ونظروا إليه بعين الإجلال ، فكان انقيادهم له أتم وأثر قلوبهم بكلامه أكمل .

السؤال الثاني: لما كان نبيًا فكيف قال: إني اتبعت ملة آبائي ، والنبي لا بد وأن يكون مختصًا بشريعة نفسه .

قلنا: لعل مراده التوحيد الذي لم يتغير ، وأيضًا لعله كان رسولًا من عند الله ، إلا أنه كان على شريعة إبراهيم عليه السلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت