السؤال الثالث: لم قال: { مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء } وحال كل المكلفين كذلك؟
والجواب: ليس المراد بقوله: { مَا كَانَ لَنَا } أنه حرم ذلك عليهم ، بل المراد أنه تعالى ظهر آباءه عن الكفر ، ونظيره قوله: { مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ } [ مريم: 35 ] .
السؤال الرابع: ما الفائدة في قوله: { مِن شَىْء } .
الجواب: أن أصناف الشرك كثيرة ، فمنهم من يعبد الأصنام ، ومنهم من يعبد النار ، ومنهم من يعبد الكواكب ، ومنهم من يعبد العقل والنفس والطبيعة ، فقوله: { مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء } رد على كل هؤلاء الطوائف والفرق ، وإرشاد إلى الدين الحق ، وهو أنه لا موجد إلا الله ولا خالق إلا الله ولا رازق إلا الله .
ثم قال: { ذلك مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس } وفيه مسألة . وهي أنه قال: { مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء } .
ثم قال: { ذلك مِن فَضْلِ الله } فقوله: { ذلك } إشارة إلى ما تقدم من عدم الإشراك ، فهذا يدل على أن عدم الإشراك وحصول الإيمان من الله . ثم بين أن الأمر كذلك في حقه بعينه ، وفي حق الناس . ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون ، ويجب أن يكون المراد أنهم لا يشكرون الله على نعمة الإيمان ، حكي أن واحدًا من أهل السنة دخل على بشر بن المعتمر ، وقال: هل تشكر الله على الإيمان أم لا . فإن قلت: لا ، فقد خالفت الإجماع ، وإن شكرته فكيف تشكره على ما ليس فعلًا له ، فقال له بشر إنا نشكره على أنه تعالى أعطانا القدرة والعقل والآلة ، فيجب علينا أن نشكره على إعطاء القدرة والآلة ، فأما أن نشكره على الإيمان مع أن الإيمان ليس فعلًا له ، فذلك باطل ، وصعب الكلام على بشر ، فدخل عليهم ثمامة بن الأشرس وقال: إنا لا نشكر الله على الإيمان ، بل الله يشكرنا عليه كما قال: { أولئك كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } [ الإسراء: 19 ] فقال بشر: لما صعب الكلام سهل .
واعلم أن الذين ألزمه ثمامة باطل بنص هذه الآية ، وذلك لأنه تعالى بين أن عدم الإشراك من فضل الله ، ثم بين أن أكثر الناس لا يشكرون هذه النعمة ، وإنما ذكره على سبيل الذم فدل هذا على أنه يجب على كل مؤمن أن يشكر الله تعالى على نعمة الإيمان وحينئذ تقوى الحجة وتكمل الدلالة . قال القاضي قوله: { ذلك } إن جعلناه إشارة إلى التمسك بالتوحيد فهو من فضل الله تعالى لأنه إنما حصل بألطافه وتسهيله ، ويحتمل أن يكون إشارة إلى النبوة .
والجواب: أن ذلك إشارة إلى المذكور السابق ، وذاك هو ترك الإشراك فوجب أن يكون ترك الإشراك من فضل الله تعالى ، والقاضي يصرفه إلى الألطاف والتسهيل ، فكان هذا تركًا للظاهر وأما صرفه إلى النبوة فبعيد ، لأن اللفظ الدال على الإشارة يجب صرفه إلى أقرب المذكورات وهو ههنا عدم الإشراك .