فهرس الكتاب

الصفحة 4057 من 8321

السؤال الثالث: هذه الخيانة وقعت في حق العزيز فكيف يقول: { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } .

والجواب: قيل المراد ليعلم الملك أني لم أخن العزيز بالغيبة ، وقيل إنه إذا خان وزيره فقد خانه من بعض الوجوه ، وقيل إن الشرابي لما رجع إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن قال ذلك ليعلم العزيز أني لم أخنه بالغيب ثم ختم الكلام بقوله: { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى يُحِبُّ الخائنين } ولعل المراد منه أني لو كنت خائنًا لما خلصني الله تعالى من هذه الورطة ، وحيث خلصني منها ظهر أني كنت مبرأ عما نسبوني إليه .

والقول الثاني: أن قوله: { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } كلام امرأة العزيز والمعنى: أني وإن أحلت الذنب عليه عند حضوره لكني ما أحلت الذنب عليه عند غيبته ، أي لم أقل فيه وهو في السجن خلاف الحق . ثم إنها بالغت في تأكيد الحق بهذا القول ، وقالت: { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين } يعني أني لما أقدمت على الكيد والمكر لا جرم افتضحت وأنه لما كان بريئًا عن الذنب لا جرم طهره الله تعالى عنه . قال صاحب هذا القول: والذي يدل على صحته أن يوسف عليه السلام ما كان حاضرًا في ذلك المجلس حتى يقال لما ذكرت المرأة قولها: { قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ } ففي تلك الحالة يقول يوسف: { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } بل يحتاج فيه إلى أن يرجع الرسول من ذلك المجلس إلى السجن ويذكر له تلك الحكاية ، ثم إن يوسف يقول ابتداء { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } ومثل هذا الوصل بين الكلامين الأجنبيين ما جاء ألبتة في نثر ولا نظم فعلمنا أن هذا من تمام كلام المرأة .

المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على طهارة يوسف عليه السلام من الذنب من وجوه كثيرة: الأول: أن الملك لما أرسل إلى يوسف عليه السلام وطلبه فلو كان يوسف متهمًا بفعل قبيح وقد كان صدر منه ذنب وفحش لاستحال بحسب العرف والعادة أن يطلب من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة ، لأنه لو كان قد أقدم على الذنب ثم إنه يطلبه من الملك أن يتفحص عن تلك الواقعة كان ذلك سعيًا منه في فضيحة نفسه وفي تجديد العيوب التي صارت مندرسة مخفية والعاقل لا يفعل ذلك ، وهب أنه وقع الشك لبعضهم في عصمته أو في نبوته إلا أنه لا شك أنه كان عاقلًا ، والعاقل يمتنع أن يسعى في فضيحة نفسه وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه . والثاني: أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ونزاهته حيث قلن: { حَاشَ للَّهِ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت