فهرس الكتاب

الصفحة 4096 من 8321

فإن قيل: روي عن محمد بن علي الباقر قال: مر بيعقوب شيخ كبير فقال له أنت إبراهيم فقال: أنا ابن ابنه والهموم غيرتني وذهبت بحسني وقوتي ، فأوحى الله تعالى إليه: «حتى متى تشكوني إلى عبادي وعزتي وجلالي لو لم تشكني لأبدلنك لحمًا خيرًا من لحمك ودمًا خيرًا من دمك» فكان من بعد يقول: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وعن النبي A أنه قال:"كان ليعقوب أخ مواخ"فقال له: ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك فقال الذي أذهب بصري البكاء على يوسف وقوس ظهري الحزن على بنيامين ، فأوحى الله تعالى إليه «أما تستحي تشكوني إلى غيري» فقال: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، فقال يا رب أما ترحم الشيخ الكبير قوست ظهري ، وأذهبت بصري ، فاردد عليَّ ريحانتي يوسف وبنيامين فأتاه جبريل عليه السلام بالبشرى وقال: لو كانا ميتين لنشرتهما لك فاصنع طعامًا للمساكين ، فإن أحب عبادي إلي الأنبياء والمساكين ، وكان يعقوب عليه السلام إذا أراد الغداء نادى مناديه من أراد الغداء فليتغد مع يعقوب ، وإذا كان صائمًا نادى مثله عند الإفطار . وروي أنه كان يرفع حاجبيه بخرقة من الكبر ، فقال له رجل: ما هذا الذي أراه بك ، قال طول الزمان وكثرة الأحزان ، فأوحى الله إليه «أتشكوني يا يعقوب» فقال: يارب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي .

قلنا: إنا قد دللنا على أنه لم يأت إلا بالصبر والثبات وترك النياحة . وروي أن ملك الموت دخل على يعقوب عليه السلام فقال له: جئت لتقبضني قبل أن أرى حبيبي فقال: لا ، ولكن جئت لأحزن لحزنك وأشجو لشجوك ، وأما البكاء فليس من المعاصي . وروي أن النبي E: بكى على ولده إبراهيم عليه السلام وقال:"إن القلب ليحزن والعين تدمع ، ولا نقول: ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون"وأيضًا فاستيلاء الحزن على الإنسان ليس باختياره ، فلا يكون ذلك داخلًا تحت التكليف وأما التأوه وإرسال البكاء فقد يصير بحيث لا يقدر على دفعه ، وأما ما ورد في الروايات التي ذكرتم فالمعاتبة فيها إنما كانت لأجل أن حسنات الأبرار سيئات المقربين . وأيضًا ففيه دقيقة أخرى وهي أن الإنسان إذا كان في موضع التحير والتردد لا بد وأن يرجع إلى الله تعالى ، فيعقوب عليه السلام ما كان يعلم أن يوسف بقي حيًا أم صار ميتًا ، فكان متوقفًا فيه وبسبب توقفه كان يكثر الرجوع إلى الله تعالى وينقطع قلبه عن الالتفات عن كل ما سوى الله تعالى إلا في هذه الواقعة ، وكان أحواله في هذه الواقعة مختلفة ، فربما صار في بعض الأوقات مستغرق الهم بذكر الله تعالى ، فإن عن تذكر هذا الواقعة ، فكان ذكرها كلا سواها ، فلهذا السبب صارت هذا الواقعة بالنسبة إليه ، جارية مجرى الإلقاء في النار للخليل عليه السلام ومجرى الذبح لابنه الذبيح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت