فهرس الكتاب

الصفحة 4097 من 8321

فإن قيل: أليس أن الأولى عند نزول المصيبة الشديدة أن يقول: { إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } [ البقرة: 156 ] حتى يستوجب الثواب العظيم المذكور في قوله: { أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون } [ البقرة: 157 ] .

قلنا: قال بعض المفسرين إنه لم يعط الاسترجاع أمة إلا هذه الأمة فأكرمهم الله تعالى إذا أصابتهم مصيبة وهذا عندي ضعيف لأن قوله: { إِنَّا لِلَّهِ } إشارة إلى أنا مملوكون لله وهو الذي خلقنا وأوجدنا ، وقوله: { وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون } إشارة إلى أنه لا بد من الحشر والقيامة ، ومن المحال أن أمة من الأمم لا يعرفون ذلك فمن عرف عند نزول بعض المصائب به أنه لا بد في العاقبة من رجوعه إلى الله تعالى ، فهناك تحصل السلوة التامة عند تلك المصيبة ، ومن المحال أن يكون لمؤمن بالله غير عارف بذلك .

المسألة الثالثة: قوله: { فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ } نداء الأسف وهو كقوله: «يا عجبًا» والتقدير كأنه ينادي الأسف ويقول: هذا وقت حصولك وأوان مجيئك وقد قررنا هذا المعنى في مواضع كثيرة منها في تفسير قوله: { حَاشَ للَّهِ } [ يوسف: 31 ] والأسف الحزن على ما فات . قال الليث: إذا جاءك أمر فحزنت له ولم تطقه فأنت أسيف أي حزني ومتأسف أيضًا . قال الزجاج: الأصل { يا أسفى } إلا أن ياء الإضافة يجوز إبدالها بالألف لخفة الألف والفتحة .

ثم قال تعالى: { عَلَى يُوسُفَ وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن } وفيه وجهان:

الوجه الأول: أنه لما قال يا أسفى على يوسف غلبه البكاء ، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء وقوله: { وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن } كناية عن غلبة البكاء ، والدليل على صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء لا في حصول العمى فلو حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنًا ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل ، فكان ما ذكرناه أولى وهذا للتفسير مع الدليل رواه الواحدي في «البسيط» عن ابن عباس Bهما .

والوجه الثاني: أن المراد هو العمى قال مقاتل: لم يبصر بهما ست سنين حتى كشف الله تعالى عنه بقميص يوسف عليه السلام وهو قوله: { فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت