فهرس الكتاب

الصفحة 4168 من 8321

ثم قال تعالى: { وكذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل } والمعنى كذلك يضرب الله الأمثال للحق والباطل . ثم قال: { أَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس } قال الفراء: الجفاء الرمي والاطراح يقال: جفا الوادي غثاءه يجفوه جفاء إذا رماه ، والجفاء اسم للمجتمع منه المنضم بعضه إلى بعض وموضع جفاء نصب على الحال ، والمعنى: أن الزبد قد يعلو على وجه الماء ويربو وينتفخ إلا أنه بالآخرة يضمحل ويبقى الجوهر الصافي من الماء ومن الأجساد السبعة ، فكذلك الشبهات والخيالات قد تقوى وتعظم إلا أنها بالآخرة تبطل وتضمحل وتزول ويبقى الحق ظاهرًا لا يشوبه شيء من الشبهات ، وفي قراءة رؤبة بن العجاج جفالًا ، وعن أبي حاتم لا يقرأ بقراءة رؤبة لأنه كان يأكل الفار .

أما قوله تعالى: { لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى } ففيه وجهان: الأول: أنه تم الكلام عند قوله: { كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال } ثم استأنف الكلام بقوله: { لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى } ومحله الرفع بالابتداء وللذين خبره وتقديره لهم الخصلة الحسنى والحالة الحسنى . الثاني: أنه متصل بما قبله والتقدير: كأنه قال الذي يبقى هو مثل المستجيب والذي يذهب جفاء مثل من لا يستجيب ثم بين الوجه في كونه مثلًا وهو أنه لمن يستجيب الحسنى وهو الجنة ، ولمن لا يستجيب أنواع الحسرة والعقوبة ، وفيه وجه آخر وهو أن يكون التقدير: كذلك يضرب الله الأمثال للذين استجابوا لربهم الاستجابة الحسنى ، فيكون الحسنى صفة لمصدر محذوف .

واعلم أنه تعالى ذكر ههنا أحوال السعداء وأحوال الأشقياء ، أما أحوال السعداء فهي قوله: { لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبّهِمُ الحسنى } والمعنى أن الذين أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد والعدل والنبوة وبعث الرسل والتزام الشرائع الواردة على لسان رسوله فلهم الحسنى . قال ابن عباس: الجنة ، وقال أهل المعاني: الحسنى هي المنفعة العظمى في الحسن ، وهي المنفعة الخالصة عن شوائب المضرة الدائمة الخالية عن الانقطاع المقرونة بالتعظيم والإجلال . ولم يذكر الزيادة ههنا لأنه تعالى قد ذكرها في سورة أخرى ، وهو قوله: { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ } [ يونس: 26 ] وأما أحوال الأشقياء ، فهي قوله: { والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ } فلهم أنواع أربعة من العذاب والعقوبة .

فالنوع الأول؛ قوله: { لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى الأرض جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ } والافتداء جعل أحد الشيئين بدلًا من الآخر ، ومفعول لافتدوا به محذوف تقديره: لافتدوا به أنفسهم أي جعلوه فداء أنفسهم من العذاب ، والكناية في «به» عائدة إلى «ما» في قوله: { مَّا فِى الأرض } .

واعلم أن هذا المعنى حق ، لأن المحبوب بالذات لكل إنسان هو ذاته ، وكل ما سواه فإنما يحبه لكونه وسيله إلى مصالح ذاته ، فإذا كانت النفس في الضرر والألم والتعب وكان مالكًا لما يساوي عالم الأجساد والأرواح فإنه يرضى بأن يجعله فداء لنفسه ، لأن المحبوب بالعرض لا بد وأن يكون فداء لما يكون محبوبًا بالذات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت