فهرس الكتاب

الصفحة 4204 من 8321

واعلم أن قوله تعالى: { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض } يفيد الحصر والمعنى أن ما في السموات وما في الأرض له لا لغيره وذلك يدل على أنه لا مالك إلا الله ولا حاكم إلا الله ثم إنه تعالى لما ذكر ذلك عطف على الكفار بالوعيد فقال: { وَوَيْلٌ للكافرين مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } والمعنى: أنهم لما تركوا عبادة الله تعالى الذي هو المالك للسموات والأرض ولكل ما فيهما إلى عبادة ما لا يملك ضرًا ولا نفعًا ويخلق ولا يخلق ، ولا إدراك لها ولا فعل ، فالويل ثم الويل لمن كان كذلك ، وإنما خص هؤلاء بالويل ، لأن المعنى يولولون من عذاب شديد ويصيحون منه ويقولون يا ويلاه . ونظيره قوله تعالى: { دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُورًا } [ الفرقان: 13 ] ثم بين تعالى صفة هؤلاء الكافرين الذين توعدهم بالويل الذي يفيد أعظم العذاب وذكر من صفاتهم ثلاثة أنواع: الأول: قوله: { الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الأخرة } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: إن شئت جعلت «الذين» صفة الكافرين في الآية المتقدمة وإن شئت جعلته مبتدأ وجعلت الخبر قوله: { أولئك } وإن شئت نصبته على الذم .

المسألة الثانية: الاستحباب طلب محبة الشيء ، وأقول إن الإنسان قد يحب الشيء ولكنه لا يحب كونه محبًا لذلك الشيء ، مثل من يميل طبعه إلى الفسق والفجور ولكنه يكره كونه محبًا لهما ، أما إذا أحب الشيء وطلب كونه محبًا له ، وأحب تلك المحبة فهذا هو نهاية المحبة فقوله: { الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا } يدل على كونهم في نهاية المحبة للحياة الدنيوية ، ولا يكون الإنسان كذلك إلا إذا كان غافلًا عن الحياة الأخروية ، وعن معايب هذه الحياة العاجلة ، ومن كان كذلك كان في نهاية الصفات المذمومة ، وذلك لأن هذه الحياة موصوفة بأنواع كثيرة من العيوب . فأحدها: أن بسبب هذه الحياة انفتحت أبواب الآلام والأسقام والغموم والهموم والمخاوف والأحزان . وثانيها: أن هذه اللذات في الحقيقة لا حاصل لها إلا دفع الآلام ، بخلاف اللذات الروحانية فإنها في أنفسها لذات وسعادات . وثالثها: أن سعادات هذه الحياة منغصة بسبب الانقطاع والإنقراض والانقضاء . ورابعها: أنها حقيرة قليلة ، وبالجملة فلا يحب هذه الحياة إلا من كان غافلًا عن معايبها وكان غافلًا عن فضائل الحياة الروحانية الأخروية ، ولذلك قال تعالى: { والأخرة خَيْرٌ وأبقى } [ الأعلى: 17 ] فهذه الكلمة جامعة لكل ما ذكرناه .

المسألة الثالثة: إنما قال: { يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الأخرة } لأن فيه إضمارًا ، والتقدير: يستحبون الحياة الدنيا ويؤثرونها على الآخرة ، فجمع تعالى بين هذين الوصفين ليتبين بذلك أن الاستحباب للدنيا وحده لا يكون مذمومًا إلا بعد أن يضاف إليه إيثارها على الآخرة ، فأما من أحبها ليصل بها إلى منافع النفس وإلى خيرات الآخرة فإن ذلك لا يكون مذمومًا حتى إذا آثرها على آخرته بأن اختار منها ما يضره في آخرته فهذه المحبة هي المحبة المذمومة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت