فهرس الكتاب

الصفحة 4207 من 8321

"ما هذا"فقال بعضهم: يا رسول الله يقول أبو بكر الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا ، ويقول: عمر كلاهما من الله ، وتبع بعضهم أبا بكر وبعضهم عمر ، فتعرف الرسول A ما قاله أبو بكر ، وأعرض عنه حتى عرف ذلك في وجهه ، ثم أقبل على عمر فتعرف ما قاله وعرف البشر في وجهه ثم قال:"أقضي بينكما كما قضى به اسرافيل بين جبريل وميكائيل ، قال جبريل مثل مقالتك يا عمر وقال ميكائيل مثل مقالتك يا أبا بكر فقضاء اسرافيل أن القدر كله خيره وشره من الله تعالى وهذا قضائي بينكما"قالت المعتزلة: هذه الآية لا يمكن اجراؤها على ظاهرها وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى قال: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ } والمعنى: أنا إنما أرسلنا كل رسول بلسان قومه ليبين لهم تلك التكاليف بلسانهم ، فيكون إدراكهم لذلك البيان أسهل ووقوفهم على المقصود والغرض أكمل ، وهذا الكلام إنما يصح لو كان مقصود الله تعالى من إرسال الرسل حصول الإيمان للمكلفين ، فأما لو كان مقصوده الإضلال وخلق الكفر فيهم لم يكن ذلك الكلام ملائمًا لهذا المقصود . والثاني: أنه عليه السلام إذا قال لهم إن الله يخلق الكفر والضلال فيكم ، فلهم أن يقولوا له فما الفائدة في بيانك ، وما المقصود من إرسالك ، وهل يمكننا أن نزيل كفرًا خلقه الله تعالى فينا عن أنفسنا وحينئذ تبطل دعوة النبوة وتفسد بعثة الرسل . الثالث: أنه إذا كان الكفر حاصلًا بتخليق الله تعالى ومشيئته ، وجب أن يكون الرضا به واجبًا لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب ، وذلك لا يقوله عاقل . والرابع: أنا قد دللنا على أن مقدمة هذه الآية وهو قوله: { لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور } [ إبراهيم: 1 ] يدل على مذهب العدل ، وأيضًا مؤخرة الآية يدل عليه ، وهو قوله: { وَهُوَ العزيز الحكيم } فكيف يكون حكيمًا من كان خالقًا للكفر والقبائح ومريدًا لها ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل قوله: { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ } على أنه تعالى يخلق الكفر في العبد ، فوجب المصير إلى التأويل ، وقد استقصينا ما في هذه التأويلات في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } [ البقرة: 26 ] ولا بأس بإعادة بعضها ، فالأول: أن المراد بالإضلال: هو الحكم بكونه كافرًا ضالًا كما يقال: فلان يكفر فلانًا ويضلله ، أي يحكم بكونه كافرًا ضالًا ، والثاني: أن يكون الإضلال عبارة عن الذهاب بهم عن طريق الجنة إلى النار ، والهداية عبارة عن إرشادهم إلى طريق الجنة . والثالث: أنه تعالى لما ترك الضال على إضلاله ولم يتعرض له صار كأنه أضله ، والمهتدي لما أعانه بالألطاف صار كأنه هو الذي هداه . قال صاحب «الكشاف» : المراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف وبالهداية التوفيق واللطف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت