فهرس الكتاب

الصفحة 4208 من 8321

والجواب عن قولهم أولًا أن قوله تعالى: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } لا يليق به أن يضلهم .

قلنا: قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر ، فإن كان الفعل الثاني مشاكلًا للأول نسقته عليه ، وإن لم يكن مشاكلًا له استأنفته ورفعته . ونظيره قوله تعالى: { يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ الله بأفواههم ويأبى الله } [ التوبة: 32 ] فقوله: { ويأبى الله } في موضع رفع لا يجوز إلا ذلك ، لأنه لا يحسن أن يقال: يريدون أن يأبى الله ، فلما لم يمكن وضع الثاني موضع الأول بطل العطف ، ونظيره أيضًا قوله: { لّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِى الأرحام } [ الحج: 5 ] ومن ذلك قولهم: أردت أن أزورك فيمنعني المطر بالرفع غير منسوق على ما قبله لما ذكرناه ، ومثله قول الشاعر:

يريد أن يعربه فيعجمه ... إذا عرفت هذا فنقول: ههنا قال تعالى: { لِيُبَيِّنَ لَهُمُ } ثم قال: { فَيُضِلُّ الله مَن يَشَاءُ } ذكر فيضل بالرفع فدل على أنه مذكور على سبيل الاستئناف وأنه غير معطوف على ما قبله ، وأقول تقرير هذا الكلام من حيث المعنى ، كأنه تعالى قال: وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ، ليكون بيانه لهم تلك الشرائع بلسانهم الذي ألفوه واعتادوه ، ثم قال ومع أن الأمر كذلك فإنه تعالى يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، والغرض منه التنبيه على أن تقوية البيان لا توجب حصول الهداية فربما قوي البيان ولا تحصل الهداية وربما ضعف البيان وحصلت الهداية ، وإنما كان الأمر كذلك لأجل أن الهداية والضلال لا يحصلان إلا من الله تعالى . أما قوله ثانيًا: لو كان الضلال حاصلًا بخلق الله تعالى لكان الكافر أن يقول له: ما الفائدة في بيانك ودعوتك؟ فنقول: يعارضه أن الخصم يسلم أن هذه الآيات أخبار عن كونه ضالًا فيقول له الكافر: لما أخبر إلهك عن كوني كافرًا فإن آمنت صار إلهك كاذبًا فهل أقدر على جعل إلهك كاذبًا ، وهل أقدر على جعل علمه جهلًا . وإذا لم أقدر عليه فكيف يأمرني بهذا الإيمان ، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الخصم علينا هو أيضًا وارد عليه . وأما قوله ثالثًا: يلزم أن يكون الرضا بالكفر واجبًا ، لأن الرضا بقضاء الله تعالى واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

قلنا: ويلزمك أيضًا على مذهبك أنه يجب على العبد السعي في تكذيب الله وفي تجهيله ، وهذا أشد استحالة مما ألزمته علينا ، لأنه تعالى لما أخبر عن كفره وعلم كفره فإزالة الكفر عنه يستلزم قلب علمه جهلًا وخبره الصدق كذبًا . وأما قوله رابعًا: إن مقدمة الآية وهي قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت