فهرس الكتاب

الصفحة 4227 من 8321

« من آذى جاره أورثه الله داره » واعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه .

ثم قال تعالى: { ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى وَخَافَ وَعِيدِ } فقوله ذلك إشارة إلى أن ما قضى الله تعالى به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي وفيه وجوه: الأول: المراد موقفي وهو موقف الحساب ، لأن ذلك الموقف موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة ، ونظيره قوله: { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } [ النازعات: 40 ] وقوله: { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } [ الرحمن: 46 ] الثاني: أن المقام مصدر كالقيامة ، يقال: قام قيامًا ومقامًا ، قال الفراء: ذلك لمن خاف قيامي عليه ومراقبتي إياه كقوله: { أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ على كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ } [ الرعد: 33 ] . الثالث: { ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } أي إقامتي على العدل والصواب فإنه تعالى لا يقضي إلا بالحق ولا يحكم إلا بالعدل وهو تعالى مقيم على العدل لا يميل عنه ولا ينحرف ألبتة . الرابع: { ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } أي مقام العائذ عندي وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول ، الخامس: { ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } أي لم خافني ، وذكر المقام ههنا مثل ما يقال: سلام الله على المجلس الفلاني العالي والمراد: سلام الله على فلان فكذا ههنا .

ثم قال تعالى: { وَخَافَ وَعِيدِ } قال الواحدي: الوعيد اسم من أوعد إيعادًا وهو التهديد . قال ابن عباس: خاف ما أوعدت من العذاب .

واعلم أنه تعالى ذكر أولًا قوله: { ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِى } ثم عطف عليه قوله: { وَخَافَ وَعِيدِ } فهذا يقتضي أن يكون الخوف من الله تعالى مغايرًا للخوف من وعيد الله ، ونظيره: أن حب الله تعالى مغاير لحب ثواب الله ، وهذا مقام شريف عال في أسرار الحكمة والتصديق .

ثم قال: { واستفتحوا } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: للاستفتاح ههنا معنيان: أحدهما: طلب الفتح بالنصرة ، فقوله: { واستفتحوا } أي واستنصروا الله على أعدائهم ، فهو كقوله: { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح } [ الأنفال: 19 ] . والثاني: الفتح الحكم والقضاء ، فقول ربنا: { واستفتحوا } أي واستحكموا وسألوه القضاء بينهم ، وهو مأخوذ من الفتاحة وهي الحكومة كقوله: { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } [ الأعراف: 89 ] .

إذا عرفت هذا فنقول: كلا القولين ذكره المفسرون . أما على القول الأول فالمستفتحون هم الرسل ، وذلك لأنهم استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما أيسوا من إيمانهم: { قَالَ نُوحٌ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّارًا } [ نوح: 26 ] وقال موسى: { رَبَّنَا اطمس } [ يونس: 88 ] الآية . وقال لوط: { رَبّ انصرنى عَلَى القوم المفسدين } [ العنكبوت: 30 ] وأما على القول الثالث: وهو طلب الحكمة والقضاء فالأولى أن يكون المستفتحون هم الأمم وذلك أنهم قالوا: اللهم إن كان هؤلاء الرسل صادقين فعذبنا ، ومنه قول كفار قريش:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت