فهرس الكتاب

الصفحة 4228 من 8321

{ اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء } [ الأنفال: 32 ] . وكقول آخرين { ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } [ العنكبوت: 29 ] .

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : قوله: { واستفتحوا } معطوف على قوله: { فأوحى إِلَيْهِمْ } وقرىء واستفتحوا بلفظ الأمر وعطفه على قوله: { لَنُهْلِكَنَّ } أي أوحى إليهم ربهم ، وقال لهم: { لَنُهْلِكَنَّ } وقال لهم { استفتحوا } .

ثم قال تعالى: { واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: إن قلنا: المستفتحون هم الرسل ، كان المعنى أن الرسل استفتحوا فنصروا وظفروا بمقصودهم وفازوا { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } وهم قومهم؛ وإن قلنا: المستفتحون هم الكفرة ، فكان المعنى: أن الكفار استفتحوا على الرسل ظنًا منهم أنهم على الحق والرسل على الباطل { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } منهم وما أفلح بسبب استفتاحه على الرسل .

المسألة الثانية: الجبار ههنا المتكبر على طاعة الله وعبادته . ومنه قوله تعالى: { وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا } [ مريم: 14 ] قال أبو عبيدة عن الأحمر: يقال فيه جبرية وجبروة وجبروت وجبورة ، وحكى الزجاج: الجبرية والجبر بكسر الجيم والباء والنجبار والجبرياء . قال الواحدي: فهي ثمان لغات في مصدر الجبار ، وفي الحديث أن امرأة حضرت النبي A فأمرها أمرًا فأبت عليه فقال:"دعوها فإنها جبارة"أي مستكبرة ، وأما العنيد فقد اختلف أهل اللغة في اشتقاقه ، قال النضر بن شميل: العنود الخلاف والتباعد والترك ، وقال غيره: أصله من العند وهو الناحية يقال: فلان يمشي عندًا ، أي ناحية ، فمعنى عاند وعند . أخذ في ناحية معرضًا ، وعاند فلان فلانًا إذا جانبه وكان منه على ناحية .

إذا عرفت هذا فنقول: كونه جبارًا متكبرًا إشارة إلى الخلق النفساني وكونه عنيدًا إشارة إلى الأثر الصادر عن ذلك الخلق ، وهو كونه مجانبًا عن الحق منحرفًا عنه ، ولا شك أن الإنسان الذي يكون خلقه هو التجبر والتكبر وفعله هو العنود وهو الانحراف عن الحق والصدق ، كان خائبًا عن كل الخيرات خاسرًا عن جميع أقسام السعادات .

واعلم أنه تعالى لما حكم عليه بالخيبة ووصفه بكونه جبارًا عنيدًا ، وصف كيفية عذابه بأمور: الأول: قوله: { مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } وفيه إشكال وهو أن المراد: أمامه جهنم ، فكيف أطلق لفظ الوراء على القدام والأمام؟

وأجابوا عنه من وجوه: الأول: أن لفظ «وراء» اسم لما يوارى عنك ، وقدام وخلف متوار عنك ، فصح إطلاق لفظ «وراء» على كل واحد منهما . قال الشاعر:

عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب

ويقال أيضًا: الموت وراء كل أحد . الثاني: قال أبو عبيدة وابن السكيت: الوراء من الأضداد يقع على الخلف والقدام ، والسبب فيه أن كل ما كان خلفًا فإنه يجوز أن ينقلب قدامًا وبالعكس ، فلا جرم جاز وقوع لفظ الوراء على القدام ، ومنه قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت