{ وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ } [ الكهف: 79 ] أي أمامهم ، ويقال: الموت من وراء الإنسان . الثاني: قال ابن الأنباري «وراء» بمعنى بعد . قال الشاعر:
وليس وراء الله للمرء مذهب ... أي وليس بعد الله مذهب .
إذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكم عليه بالخيبة في قوله: { وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } .
ثم قال: { وَمِن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ } أي ومن بعده الخيبة يدخل جهنم .
النوع الثاني: مما ذكره الله تعالى من أحوال هذا الكافر قوله: { ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } وفيه سؤالات:
السؤال الأول: علام عطف { ويسقى } .
الجواب: على محذوف تقديره: من ورائه جهنم يلقى فيها ويسقى من ماء صديد .
السؤال الثاني: عذاب أهل النار من وجوه كثيرة ، فلم خص هذه الحالة بالذكر؟
الجواب: يشبه أن تكون هذه الحالة أشد أنواع العذاب فخصص بالذكر مع قوله: { وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } .
السؤال الثالث: ما وجه قوله: { مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ } .
الجواب: أنه عطف بيان والتقدير: أنه لما قال: { ويسقى مِن مَّاءٍ } فكأنه قيل: وما ذلك الماء فقال: { صَدِيدٍ } والصديد ما يسيل جلود أهل النار . وقيل: التقدير ويسقى من ماء كالصديد . وذلك بأن يخلق الله تعالى في جهنم ما يشبه الصديد في النتن والغلظ والقذارة ، وهو أيضًا يكون في نفسه صديدًا ، لأن كراهته تصد عن تناوله وهو كقوله: { وَسُقُواْ مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ } [ محمد: 15 ] . { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل يَشْوِى الوجوه بِئْسَ الشراب } [ الكهف: 29 ] .
السؤال الرابع: ما معنى يتجرعه ولا يكاد يسيغه .
الجواب: التجرع تناول المشروب جرعة جرعة على الاستمرار ، ويقال: ساغ الشراب في الحلق يسوغ سوغًا وأساغه إساغة . واعلم أن ( يكاد ) فيه قولان:
القول الأول: أن نفيه إثبات ، وإثباته نفي ، فقوله: { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } أي ويسيغه بعد إبطاء لأن العرب تقول: ما كدت أقوم ، أي قمت بعد إبطاء قال تعالى: { فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ } [ البقرة: 71 ] يعني فعلوا بعد إبطاء ، والدليل على حصول الإساغة قوله تعالى: { يُصْهَرُ بِهِ مَا فِى بُطُونِهِمْ والجلود } [ الحج: 20 ] ولا يحصل الصهر إلا بعد الإساغة ، وأيضًا فإن قوله: { يَتَجَرَّعُهُ } يدل على أنهم أساغوا الشيء بعد الشيء فكيف يصح أن يقال بعده إنه يسيغه ألبتة .
والقول الثاني: أن كاد للمقاربة فقول: { لاَ يَكَادُ } لنفي المقاربة يعني: ولم يقارب أن يسيغه فكيف يحصل الإساغة كقوله تعالى: { لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } [ النور: 40 ] أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها .
فإن قيل: فقد ذكرتم الدليل على حصول الإساغة ، فكيف الجمع بينه وبين هذا الوجه .