[ النحل: 40 ] وتحقيق هذا الوجه راجع إلى ما ذكرناه .
البحث الثالث: الفلك من الجمادات فتسخيرها مجاز ، والمعنى أنه لما كان يجري على وجه الماء كما يشتهيه الملاح صار كأنه حيوان مسخر له .
الحجة الخامسة: قوله تعالى: { وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار } واعلم أن ماء البحر قلما ينتفع به في الزراعات لا جرم ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار والعيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزرع والنبات ، وأيضًا ماء البحر لا يصلح للشرب ، والصالح لهذا المهم هو مياه الأنهار .
الحجة السادسة والسابعة: قوله: { وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينِ } .
واعلم أن الانتفاع بالشمس والقمر عظيم ، وقد ذكره الله تعالى في آيات منها قوله: { وَجَعَلَ القمر فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشمس سِرَاجًا } [ نوح: 16 ] ومنها قوله: { الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ } [ الرحمن: 5 ] ومنها قوله: { وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا } [ الفرقان: 61 ] ومنها قوله: { هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُورًا } [ يونس: 5 ] وقوله: { دَآئِبَينِ } معنى الدؤب في اللغة مرور الشيء في العمل على عادة مطردة يقال دأب يدأب دأبًا ودؤبًا وقد ذكرنا هذا في قوله: { قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا } [ يوسف: 47 ] قال المفسرون: قوله: { دآئِبَينِ } معناه يدأبان في سيرهما وإنارتهما وتأثيرهما في إزالة الظلمة وفي إصلاح النبات والحيوان فإن الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل ولولا الشمس لما حصلت الفصول الأربعة ، ولولاها لاختلت مصالح العالم بالكلية وقد ذكرنا منافع الشمس والقمر بالاستقصاء في أول هذا الكتاب .
الحجة الثامنة والتاسعة: قوله: { وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر } .
واعلم أن منافعهما مذكورة في القرآن كقوله تعالى: { وَجَعَلْنَا اليل لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النهار مَعَاشًا } [ النبأ: 10 ، 11 ] وقوله: { وهو الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِرًا } [ يونس: 67 ] قال المتكلمون: تسخير الليل والنهار مجاز لأنهما عرضان ، والأعراض لا تسخر .
والحجة العاشرة: قوله: { وَآتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } ثم إنه تعالى لما ذكر تلك النعمة العظيمة بين بعد ذلك أنه لم يقتصر عليها ، بل أعطى عباده من المنافع والمرادات ما لا يأتي على بعضها التعديد والإحصاء فقال: { وَآتَاكُم مّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } والمفعول محذوف تقديره من كل مسؤول شيئًا ، وقرىء: { مِن كُلِّ } بالتنوين و { مَا سَأَلْتُمُوهُ } نفي ومحله نصب على الحال أي آتاكم من جميع ذلك غير سائليه ويجوز أن تكون «ما» موصولة والتقدير: آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به ، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال ، ثم إنه تعالى لما ذكر هذه النعم ختم الكلام بقوله: { وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ } قال الواحدي: النعمة ههنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم الله عليه ، ينعم إنعامًا ونعمة أقيم الاسم مقام الإنعام كقوله: أنفقت عليه إنفاقًا ونفقة بمعنى واحد ، ولذلك لم يجمع لأنه في معنى المصدر ، ومعنى قوله: { لاَ تُحْصُوهَآ } أي لا تقدرون على تعديد جميعها لكثرتها .