واعلم أنه لا يبعد أن يقال: المراد من تبديل الأرض والسموات هو أنه تعالى يجعل الأرض جهنم ، ويجعل السموات الجنة ، والدليل عليه قوله تعالى: { كَلاَّ إِنَّ كتاب الأبرار لَفِى عِلّيّينَ } [ المطففين: 18 ] وقوله: { كَلاَّ إِنَّ كتاب الفجار لَفِى سِجّينٍ } [ المطففين: 7 ] ، والله أعلم .
أما قوله تعالى: { وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } فنقول أما البروز لله فقد فسرناه في قوله تعالى: { وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } وإنما ذكر الواحد القهار ههنا ، لأن الملك إذا كان لمالك واحد غلاب لا يغالب قهار لا يقهر فلا مستغاث لأحد إلى غيره فكال الأمر في غاية الصعوبة ، ونظيره قوله: { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } [ غافر: 16 ] ولما وصف نفسه سبحانه بكونه قهارًا بين عجزهم وذلتهم ، فقال: { وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ } .
واعلم أنه تعالى ذكر في صفات عجزهم وذلتهم أمورًا:
فالصفة الأولى: كونهم مقرنين في الأصفاد . يقال: قرنت الشيء بالشيء إذا شددته به ووصلته . والقرآن اسم للحبل الذي يشد به شيئان . وجاء ههنا على التكثير لكثرة أولئك القوم والأصفاد جمع صفد وهو القيد .
إذا عرفت هذا فنقول: في قوله: { مُّقرِّنِينَ } ثلاثة أوجه: أحدها: قال الكلبي: مقرنين كل كافر مع شيطان في غل ، وقال عطاء: هو معنى قوله: { وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ } [ التكوير: 70 ] أي قرنت فيقرن الله تعالى نفوس المؤمنين بالحور العين ، ونفوس الكافرين بقرنائهم من الشياطين ، وأقول حظ البحث العقلي منه أن الإنسان إذا فارق الدنيا ، فإما أن يكون قد راض نفسه وهذبها ودعاها إلى معرفة الله تعالى وطاعته ومحبته ، أو ما فعل ذلك ، بل تركها متوغلة في اللذات الجسدانية مقبلة على الأحوال الوهمية والخيالية ، فإن كان الأول فتلك النفس تفارق مع تلك الجهة بالحضرة الإلهية ، والسعادة بالعناية الصمدانية ، وإن كان الثاني فتلك النفس تفارق مع الأسف والحزن والبلاء الشديد ، بسبب الميل إلى عالم الجسم ، وهذا هو المراد بقوله: { وَإِذَا النفوس زُوّجَتْ } وشيطان النفس الكافرة هي الملكات الباطلة ، والحوادث الفاسدة ، وهو المراد من قول عطاء: إن كل كافر مع شيطانه يكون مقرونًا في الأصفاد .
والقول الثاني: في تفسير قوله: { مُّقَرَّنِينَ فِى الأصفاد } هو قرن بعض الكفار ببعض ، والمراد أن تلك النفوس الشقية والأرواح المكدرة الظلمانية ، لكونها متجانسة متشاكلة ينضم بعضها إلى بعض ، وتنادي ظلمة كل واحدة منها إلى الأخرى ، فانحدار كل واحدة منها إلى الأخرى في تلك الظلمات ، والخسارات هي المراد بقوله: { مُّقَرَّنِينَ فِى الأصفاد } .
والقول الثالث: قال زيد بن أرقم: قرنت أيديهم وأرجلهم إلى رقابهم بالأغلال ، وحظ العقل من ذلك أن الملكات الحاصلة في جوهر النفس إنما تحصل بتكرير الأفعال الصادرة من الجوارح والأعضاء ، فإذا كانت تلك الملكات ظلمانية كدرة ، صارت في المثال كأن أيديها وأرجلها قرنت وغلت في رقابها . وأما قوله: { فِى الأصفاد } ففيه وجهان: أحدها: أن يكون ذلك متعلقًا بمقرنين ، والمعنى: يقربون بالأصفاد . والثاني: أن لا يكون متعلقًا به ، والمعنى: أنهم مقرنون مقيدون ، وحظ العقل معلوم مما سلفت الإشارة إليه .