فهرس الكتاب

الصفحة 4273 من 8321

الصفة الثانية: قوله تعالى: { سَرَابِيلُهُم مّن قَطِرَانٍ } السرابيل جمع سربال وهو القميص ، والقطران فيه ثلاث لغات: قطران وقطران وقطرن ، بفتح القاف وكسرها مع سكون الطاء وبفتح القاف وكسر الطاء ، وهو شيء يتحلب من شجر يسمى الأبهل فيطبخ ويطلى به الإبل الجرب فيحرق الجرب بحرارته وحدته ، وقد تصل حرارته إلى داخل الجوف ، ومن شأنه أن يتسارع فيه اشتعال النار ، وهو أسود اللون منتن الريح فتطلى به جلود أهل النار حتى يصير ذلك الطلي كالسرابيل ، وهي القمص فيحصل بسببها أربعة أنواع من العذاب ، لذع القطران وحرقته ، وإسراع النار في جلودهم واللون الوحش ونتن الريح ، وأيضًا التفاوت بين قطران القيامة وقطران الدنيا كالتفاوت بين النارين ، وأقول حظ العقل من هذا أن جوهر الروح جوهر مشرق لامع من عالم القدس وغيبة الجلال ، وهذا البدن جارٍ مجرى السربال والقميص له ، وكل ما يحصل للنفس من الآلام والغموم ، فإنما يحصل بسبب هذا البدن ، فلهذا البدن لذع وحرقة في جوهر النفس ، لأن الشهوة والحرص والغضب إنما تتسارع إلى جوهر الروح بسببه ، وكونه للكثافة والكدورة والظلمة هو الذي يخفي لمعان الروح وضوءه وهو سبب لحصول النتن والعفونة ، فتشبه هذا الجسد بسرابيل من القطران والقطر ، وقرأ بعضهم { مّن قَطِرآن } والقطر النحاس أو الصفر المذاب والآني المتناهي حره . قال أبو بكر بن الأنباري: وتلك النار لا تبطل ذلك القطران ولا تفنيه كما لا تهلك النار أجسادهم والأغلال التي كانت عليهم .

الصفة الثالثة: قوله تعالى: { وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } ونظيره قوله تعالى: { أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة } [ الزمر: 24 ] وقوله: { يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النار على وُجُوهِهِمْ } [ القمر: 48 ] .

واعلم أن موضع المعرفة والنكرة والعلم والجهل هو القلب ، وموضع الفكر والوهم والخيال هو الرأس . وأثر هذه الأحوال إنما تظهر في الوجه ، فلهذا السبب خص الله تعالى هذين العضوين بظهور آثار العقاب فيهما فقال في القلب: { نَارُ الله الموقدة * التى تَطَّلِعُ عَلَى الأفئدة } [ الهمزة: 6 ، 7 ] وقال في الوجه: { وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } بمعنى تتغشى ، ولما ذكر تعالى هذه الصفات الثلاثة قال: { لِيَجْزِىَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ } قال الواحدي: المراد منه أنفس الكفار لأن ما سبق ذكره لا يليق أن يكون جزاء لأهل الإيمان ، وأقول يمكن إجراء اللفظ على عمومه ، لأن لفظ الآية يدل على أنه تعالى يجزي كل شخص بما يليق بعمله وكسبه ولما كان كسب هؤلاء الكفار الكفر والمعصية ، كان جزاؤهم هو هذا العقاب المذكور ، ولما كان كسب المؤمنين الأيمان والطاعة ، كان اللائق بهم هو الثواب وأيضًا أنه تعالى لما عاقب المجرمين بجرمهم فلأن يثيب المطيعين على طاعتهم كان أولى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت