فهرس الكتاب

الصفحة 4274 من 8321

ثم قال تعالى: { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } والمراد أنه تعالى لا يظلمهم ولا يزيد على عقابهم الذي يستحقونه . وحظ العقل منه أن الأخلاق الظلمانية هي المبادي لحصول الآلام الروحانية وحصول تلك الأخلاق في النفس على قدر صدور تلك الأعمال منهم في الحياة الدنيا ، فإن الملكات النفسانية إنما تحصل في جوهر النفس بسبب الأفعال المتكررة ، وعلى هذا التقدير فتلك الآلام تتفاوت بحسب تلك الأفعال في كثرتها وقلتها وشدتها وضعفها وذلك يشبه الحساب .

ثم قال تعالى: { هذا بلاغ لّلنَّاسِ } أي هذا التذكير والموعظة بلاغ للناس ، أي كفاية في الموعظة ثم اختلفوا فقيل: إن قوله هذا إشارة إلى كل القرآن ، وقيل: بل إشارة إلى كل هذه السورة ، وقيل: بل إشارة إلى المذكور من قوله: { وَلاَ تَحْسَبَنَّ } إلى قوله: { سَرِيعُ الحساب } وأما قوله: { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } فهو معطوف على محذوف أي لينتصحوا: { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } أي بهذا البلاغ .

ثم قال: { وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قد ذكرنا في هذا الكتاب مرارًا أن النفس الإنسانية لها شعبتان: القوة النظرية وكمال حالها في معرفة الموجودات بأقسامها وأجناسها وأنواعها حتى تصير النفس كالمرآة التي يتجلى فيها قدس الملكوت ويظهر فيها جلال اللاهوت ورئيس هذه المعارف والجلاء ، معرفة توحيد الله بحسب ذاته وصفاته وأفعاله .

والشعبة الثانية: القوة العملية وسعادتها في أن تصير موصوفة بالأخلاق الفاضلة التي تصير مبادي لصدور الأفعال الكاملة عنها ، ورئيس سعادات هذه القوة طاعة الله وخدمته .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة النظرية وقوله: { وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب } إشارة إلى ما يجري مجرى الرئيس لكمال حال القوة العملية فإن الفائدة في هذا التذكر ، إنما هو الإعراض عن الأعمال الباطلة والإقبال على الأعمال الصالحة ، وهذه الخاتمة كالدليل القاطع في أنه لا سعادة للإنسان إلا من هاتين الجهتين .

المسألة الثانية: هذه الآيات مشعرة بأن التذكير بهذه المواعظ والنصائح يوجب الوقوف على التوحيد والإقبال على العمل الصالح ، والوجه فيه أن المرء إذا سمع هذه التخويفات والتحذيرات عظم خوفه واشتغل بالنظر والتأمل ، فوصل إلى معرفة التوحيد والنبوة واشتغل بالأعمال الصالحة .

المسألة الثالثة: قال القاضي: أول هذه السورة وآخرها يدل على أن العبد مستقل بفعله ، إن شاء أطاع وإن شاء عصى ، أما أول هذه السورة فهو قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت