والوجه الثاني: أنه لو كان المراد ما ذكروه لوجب أن يقال: { كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ المجرمين } ولا يؤمنون به ، أي ومع هذا السعي العظيم في تحصيل إيمانهم لا يؤمنون أما لم يذكر الواو فعلمنا أن قوله: { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } كالتفسير ، والبيان لقوله: { نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ المجرمين } وهذا إنما يصح إذا كان المراد أنا نسلك الكفر والضلال في قلوبهم .
والوجه الثالث: أن قوله: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } [ الحجر: 9 ] بعيد ، وقوله: { يَسْتَهْزِئُونَ } قريب ، وعود الضمير إلى أقرب المذكورات هو الواجب . أما قوله: لو كان الضمير في قوله: { نَسْلُكُهُ } عائدًا إلى الاستهزاء لكان في قوله؛ { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } عائدًا إليه ، وحينئذ يلزم التناقض .
قلنا: الجواب عنه من وجوه:
الوجه الأول: أن مقضتى الدليل عود الضمير إلى أقرب المذكورات ، ولا مانع من اعتبار هذا الدليل في الضمير الأول وحصل المانع من اعتباره في الضمير الثاني فلا جرم قلنا: الضمير الأول عائد إلى الاستهزاء ، والضمير الثاني عائد إلى الذكر ، وتفريق الضمائر المتعاقبة على الأشياء المختلفة ليس بقليل في القرآن ، أليس أن الجبائي والكعبي والقاضي قالوا في قوله تعالى: { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحًا لنكونن من الشاكرين* فلما آتاهما صالحًا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ الأعراف: 189 ، 190 ] فقالوا هذه الضمائر من أول الآية إلى قوله: { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } عائدة إلى آدم وحواء ، وأما في قوله: { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } عائدة إلى غيرهما ، فهذا ما اتفقوا عليه في تفاسيرهم ، وإذا ثبت هذا ظهر أنه لا يلزم من تعاقب الضمائر عودها إلى شيء واحد بل الأمر فيه موقوف على الدليل فكذا ههنا ، والله أعلم .
والوجه الثاني: في الجواب قال بعض الأدباء من أصحابنا قوله: { لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } تفسير للكناية في قوله: { نَسْلُكُهُ } والتقدير: كذلك نسلك في قلوب المجرمين أن لا يؤمنوا به والمعنى نجعل في قلوبهم أن لا يؤمنوا به .
والوجه الثالث: وهو أنا بينا بالبراهين العقلية القاهرة أن حصول الإيمان والكفر يمتنع أن يكون بالعبد ، وذلك لأن كل أحد إنما يريد الإيمان والصدق ، والعلم والحق ، وأن أحدًا لا يقصد تحصيل الكفر والجهل والكذب فلما كان كل أحد لا يقصد إلا الإيمان والحق ثم إنه لايحصل ذلك ، وإنما يحصل الكفر والباطل ، علمنا أن حصول ذلك الكفر ليس منه .