السؤال الثاني: قالت الكفار: هب أنا سلمنا لك يا محمد صحة ما تقوله من أنه تعالى حكم بإنزال العذاب علينا إما في الدنيا وإما في الآخرة ، إلا أنا نعبد هذه الأصنام فإنها شفعاؤنا عند الله فهي تشفع لنا عنده فنتخلص من هذا العذاب المحكوم به بسبب شفاعة هذه الأصنام .
فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة بقوله: { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } فنزه نفسه عن شركة الشركاء والأضداد ، والأنداد وأن يكون لأحد من الأرواح والأجسام أن يشفع عنده إلا بإذنه و { مَا } في قوله: { عَمَّا يُشْرِكُونَ } يجوز أن تكون مصدرية ، والتقدير: سبحانه وتعالى عن إشراكهم ويجوز أن تكون بمعنى الذي ، أي سبحانه وتعالى عن هذه الأصنام التي جعلوها شركاء لله ، لأنها جمادات خسيسة ، فأي مناسبة بينها وبين أدون الموجودات فضلًا عن أن يحكم بكونها شركاء لمدبر الأرض والسموات .
السؤال الثالث: هب أنه تعالى قضى على بعض عبيده بالسراء وعلى آخرين بالضراء ولكن كيف يمكنك أن تعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ، وكيف صرت بحيث تعرف أسرار الله وأحكامه في ملكه وملكوته؟
فأجاب الله تعالى عنه بقوله: { يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون } وتقرير هذا الجواب أنه تعالى ينزل الملائكة على من يشاء من عبيده ويأمر ذلك العبد بأن يبلغ إلى سائر الخلق أن إله العالم واحد كلفهم بمعرفة التوحيد والعبادة وبين أنهم إن فعلوا ذلك فازوا بخيري الدنيا والآخرة ، وإن تمردوا وقعوا في شر الدنيا والآخرة ، فبهذا الطريق صار مخصوصًا بهذه المعارف من دون سائر الخلق ، وظهر بهذا الترتيب الذي لخصناه أن هذه الآيات منتظمة على أحسن الوجوه والله أعلم . وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي: ( ينزل ) بالياء وكسر الزاي وتشديدها ، والملائكة بالنصب ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو { يُنَزّل } بضم الياء وكسر الزاي وتخفيفها ، والأول من التفعيل ، والثاني من الأفعال ، وهما لغتان:
المسألة الثانية: روي عن عطاء عن ابن عباس قال: يريد بالملائكة جبريل وحده . قال الواحدي: وتسمية الواحد باسم الجمع إذا كان ذلك الواحد رئيسًا مقدمًا جائز كقوله تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ } [ نوح: 1 ] { وَإِنَا أنزلناه } [ يوسف: 2 ] . { وإِنَا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } [ الحجر: 9 ] وفي حق الناس كقوله: { الذين قَالَ لَهُمُ الناس } [ آل عمران: 173 ] وفيه قول آخر سيأتي شرحه بعد ذلك وقوله: { بالروح مِنْ أَمْرِهِ } فيه قولان:
القول الأول: أن المراد من الروح الوحي وهو كلام الله ونظيره قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى: 52 ] وقوله: { يُلْقِى الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ }