فهرس الكتاب

الصفحة 4342 من 8321

[ غافر: 15 ] قال أهل التحقيق: الجسد موات كثيف مظلم ، فإذا اتصل به الروح صار حيًا لطيفًا نورانيًا . فظهرت آثار النور في الحواس الخمس ، ثم الروح أيضًا ظلمانية جاهلة ، فإذا اتصل العقل بها صارت مشرقة نورانية ، كما قال تعالى؛ { والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة } [ النحل: 78 ] ثم العقل أيضًا ليس بكامل النورانية والصفاء والإشراق حتى يستكمل بمعرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ومعرفة أحوال عالم الأرواح والأجساد ، وعالم الدنيا والآخرة ، ثم إن هذه المعارف الشريفة الإلهية لا تكمل ولا تصفو إلا بنور الوحي والقرآن .

إذا عرفت هذا فنقول: القرآن والوحي به تكمل المعارف الإلهية ، والمكاشفات الربانية وهذه المعارف بها يشرق العقل ويصفو ويكمل ، والعقل به يكمل جوهر الروح ، والروح به يكمل حال الجسد ، وعند هذا يظهر أن الروح الأصلي الحقيقي هو الوحي والقرآن ، لأن به يحصل الخلاص من رقدة الجهالة ، ونوم الغفلة ، وبه يحصل الانتقال من حضيض البهيمية إلى أوج الملكية ، فظهر أن إطلاق لفظ الروح على الوحي في غاية المناسبة والمشاكلة ، ومما يقوى ذلك أنه تعالى أطلق لفظ الروح على جبريل عليه السلام في قوله: { نَزَلَ بِهِ الروح الأمين * على قَلْبِكَ } [ الشعراء: 193 ، 194 ] وعلى عيسى عليه السلام في قوله: { رَّوْحِ الله } [ يوسف: 87 ] وإنما حسن هذا الإطلاق ، لأنه حصل بسبب وجودهما حياة القلب وهي الهداية والمعارف ، فلما حسن إطلاق اسم الروح عليهما لهذا المعنى ، فلأن يحسن إطلاق لفظ الروح على الوحي والتنزيل كان ذلك أولى .

والقول الثاني: في هذه الآية وهو قول أبي عبيدة إن الروح ههنا جبريل عليه السلام ، والباء في قوله: { بالروح } بمعنى مع كقولهم خرج فلان بثيابه ، أي مع ثيابه وركب الأمير بسلاحه أي مع سلاحه ، فيكون المعنى: ينزل الملائكة مع الروح وهو جبريل ، والأول أقرب ، وتقرير هذا الوجه: أنه سبحانه وتعالى ما أنزل على محمد A جبريل وحده ، بل في أكثر الأحوال كان ينزل مع جبريل أفواجًا من الملائكة ، ألا ترى أن في يوم بدر وفي كثير من الغزوات كان ينزل مع جبريل عليه السلام أقوام من الملائكة ، وكان ينزل على رسول الله A تارة ملك الجبال . وتارة ملك البحار . وتارة رضوان . وتارة غيرهم . وقوله: { مِنْ أَمْرِهِ } يعني أن ذلك التنزيل والنزول لا يكون إلا بأمر الله تعالى ، ونظيره قوله تعالى: { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبّكَ } [ مريم: 64 ] وقوله: { لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [ الأنبياء: 27 ] وقوله: { وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } [ الأنبياء: 28 ] وقوله: { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ النحل: 50 ] وقوله: { لاَّ يَعْصُونَ الله مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [ التحريم: 6 ] فكل هذه الآيات دالة على أنهم لا يقدمون على عمل من الأعمال إلا بأمر الله تعالى وإذنه ، وقوله: { على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } يريد الأنبياء الذين خصهم الله تعالى برسالته ، وقوله: { أَنْ أَنْذِرُواْ } قال الزجاج: { أن } بدل من الروح والمعنى: ينزل الملائكة بأن أنذروا ، أي أعلموا الخلائق أنه لا إله إلا أنا ، والإنذار هو الإعلام مع التخويف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت