والوجه الثاني: أن النطفة بتقدير أنها جسم مركب من أجزاء مختلفة الطبائع ، إلا أنه يجب أن ينتهي تحليل تركيبها إلى أجزاء يكون كل واحد منها في نفسه جسمًا بسيطًا ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلو كان المدبر لها قوة طبيعية لكان كل واحد من تلك البسائط يجب أن يكون شكله هو الكرة فكان يلزم أن يكون الحيوان على شكل كرات مضمومة بعضها إلى بعض ، وحيث لم يكن الأمر كذلك ، علمنا أن مدبر أبدان الحيوانات ليس هي الطبائع ولا تأثيرات الأنجم والأفلاك ، لأن تلك التأثيرات متشابهة ، فعلمنا أن مدبر أبدان الحيوانات فاعل مختار حكيم ، وهو المطلوب ، هذا هو الاستدلال بأبدان الحيوانات على وجود الإله المختار . وهو المراد من قوله سبحانه وتعالى: { خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ } وأما الاستدلال على وجود الصانع المختار الحكيم بأحوال النفس الإنسانية فهو المراد من قوله: { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في بيان وجه الاستدلال وتقريره: أن النفوس الإنسانية في أول الفطرة أقل فهمًا وذكاء وفطنة من نفوس سائر الحيوانات ، ألا ترى أن ولد الدجاجة كما يخرج من قشر البيضة يميز بين العدو والصديق فيهرب من الهرة ويلتجىء إلى الأم ، ويميز بين الغذاء الذي يوافقه والغذاء الذي لا يوافقه وأما ولد الإنسان فإنه حال انفصاله عن بطن الأم ، لا يميز ألبتة بين العدو والصديق ولا بين الضار والنافع ، فظهر أن الإنسان في أول الحدوث أنقص حالًا وأقل فطنة من سائر الحيوانات ثم إن الإنسان بعد كبره يقوى عقله ويعظم فهمه ويصير بحيث يقوى على مساحة السموات والأرض ويقوى على معرفة ذات الله وصفاته وعلى معرفة أصناف المخلوقات من الأرواح والأجسام والفلكيات والعنصريات ويقوى على إيراد الشبهات القوية في دين الله تعالى والخصومات الشديدة في كل المطالب فانتقال نفس الإنسان من تلك البلاد المفرطة إلى هذه الكياسة المفرطة لا بد وأن يكون بتدبير إله مختار حكيم ينقل الأرواح من نقصانها إلى كمالاتها ومن جهالاتها إلى معارفها بحسب الحكمة والاختيار ، فهذا هو المراد من قوله سبحانه وتعالى: { خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } .
وإذا عرفت هذه الدقيقة أمكنك التنبيه لوجوه كثيرة:
المسألة الثانية: أنه تعالى إنما يخلق الإنسان من النطفة بواسطة تغيرات كثيرة مذكورة في القرآن العزيز منها قوله تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مّن طِينٍ * ثُمَّ جعلناه نُطْفَةً فِى قَرَارٍ مَّكِينٍ } [ المؤمنون: 12 ، 13 ] إلا أنه تعالى اختصر ههنا لأجل أن ذلك الاستقصاء مذكور في سائر الآيات ، وقوله؛ { فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } فيه بحثان:
البحث الأول: قال الواحدي: الخصيم بمعنى المخاصم ، قال أهل اللغة: خصيمك الذي يخاصمك وفعيل بمعنى مفاعل معروف كالنسيب بمعنى المناسب ، والعشير بمعنى المعاشر ، والأكيل والشريب ويجوز أن يكون خصيم فاعلًا من خصم يخصم بمعنى اختصم ، ومنه قراءة حمزة: