أما قوله: { سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } فمعناه: جاريًا في حلوقهم لذيذًا هنيئًا . يقال: ساغ الشراب في الحلق وأساغه صاحبه ، ومنه قوله: { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } [ إبراهيم: 17 ] .
المسألة الخامسة: قال أهل التحقيق: اعتبار حدوث اللبن كما يدل على وجود الصانع المختار سبحانه ، فكذلك يدل على إمكان الحشر والنشر ، وذلك لأن هذا العشب الذي يأكله الحيوان إنما يتولد من الماء والأرض ، فخالق العالم دبر تدبيرًا ، فقلب ذلك الطين نباتًا وعشبًا ، ثم إذا أكله الحيوان دبر تدبيرًا آخر فقلب ذلك العشب دمًا ، ثم دبر تدبيرًا آخر فقلب ذلك الدم لبنًا ، ثم دبر تدبيرًا آخر فحدث من ذلك اللبن الدهن والجبن ، فهذا يدل على أنه تعالى قادر على أن يقلب هذه الأجسام من صفة إلى صفة ، ومن حالة إلى حالة فإذا كان كذلك لم يمتنع أيضًا أن يكون قادرًا على أن يقلب أجزاء أبدان الأموات إلى صفة الحياة والعقل كما كانت قبل ذلك ، فهذا الاعتبار يدل من هذا الوجه على أن البعث والقيامة أمر ممكن غير ممتنع ، والله أعلم .
ثم قال تعالى: { وَمِن ثمرات النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا } اعلم أنه تعالى لما ذكر بعض منافع الحيوانات في الآية المتقدمة ، ذكر في هذه الآية بعض منافع النبات ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: فإن قيل: بم تعلق قوله: { وَمِن ثمرات النخيل والأعناب } .
قلنا: بمحذوف تقديره: ونسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب أي من عصيرها وحذف لدلالة نسقيكم قبله عليه . وقوله: { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } بيان وكشف عن كنه الإسقاء .
المسألة الثانية: قال الواحدي: { الأعناب } عطف على الثمرات لا على النخيل ، لأنه يصير التقدير: ومن ثمرات الأعناب ، والعنب نفسه ثمرة وليست له ثمرة أخرى .
المسألة الثالثة: في تفسير السكر وجوه: الأول: السكر الخمر سميت بالمصدر من سكر سكرًا وسكرًا نحو: رشد رشدًا ورشدًا ، وأما الرزق الحسن فسائر ما يتخذ من النخيل والأعناب كالرب والخل والدبس والتمر والزبيب .
فإن قيل: الخمر محرمة فكيف ذكرها الله في معرض الإنعام؟
أجابوا عنه من وجهين: الأول: أن هذه السورة مكية ، وتحريم الخمر نزل في سورة المائدة ، فكان نزول هذه الآية في الوقت الذي كانت الخمر فيه غير محرمة . الثاني: أنه لا حاجة إلى التزام هذا النسخ ، وذلك لأنه تعالى ذكر ما في هذه الأشياء من المنافع ، وخاطب المشركين بها ، والخمر من أشربتهم فهي منفعة في حقهم ، ثم إنه تعالى نبه في هذه الآية أيضًا على تحريمها ، وذلك لأنه ميز بينها وبين الرزق الحسن في الذكر ، فوجب أن لا يكون السكر رزقًا حسنًا ، ولا شك أنه حسن بحسب الشهوة ، فوجب أن يقال الرجوع عن كونه حسنًا بحسب الشريعة ، وهذا إنما يكون كذلك إذا كانت محرمة .