والصفة الثالثة: قوله: { فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } وفيه قولان:
القول الأول: وهو الصحيح أنه صفة للعسل .
فإن قالوا: كيف يكون شفاء للناس وهو يضر بالصفراء ويهيج المرارة؟
قلنا: إنه تعالى لم يقل إنه شفاء لكل الناس ولكل داء وفي كل حال ، بل لما كان شفاء للبعض من بعض الأدواء صلح بأن يوصف بأنه فيه شفاء ، والذي يدل على أنه شفاء في الجملة أنه قل معجون من المعاجين إلا وتمامه وكماله إنما يحصل بالعجن بالعسل ، وأيضًا فالأشربة المتخذة منه في الأمراض البلغمية عظيمة النفع .
والقول الثاني: وهو قول مجاهد أن المراد: أن القرآن شفاء للناس ، وعلى هذا التقدير فقصة تولد العسل من النحل تمت عند قوله: { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } ثم ابتدأ وقال: { فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } أي في هذا القرآن حصل ما هو شفاء للناس من الكفر والبدعة ، مثل هذا الذي في قصة النحل . وعن ابن مسعود: أن العسل شفاء من كل داء ، والقرآن شفاء لما في الصدور .
واعلم أن هذا القول ضعيف ويدل عليه وجهان: الأول: أن الضمير في قوله: { فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ } يجب عوده إلى أقرب المذكورات ، وما ذاك إلا قوله: { شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } وأما الحكم بعود هذا الضمير إلى القرآن مع أنه غير مذكور فيما سبق ، فهو غير مناسب . والثاني: ما روى أبو سعيد الخدري: أنه جاء رجل إلى رسول الله A وقال: إن أخي يشتكي بطنه فقال: « اسقه عسلًا » فذهب ثم رجع فقال: قد سقيته فلم يغن عنه شيئًا ، فقال E: « اذهب واسقه عسلًا » فذهب فسقاه ، فكأنما نشط من عقال ، فقال: « صدق الله وكذب بطن أخيك » وحملوا قوله: « صدق الله وكذب بطن أخيك » على قوله: { فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } وذلك إنما يصح لو كان هذا صفة للعسل .
فإن قال قائل: ما المراد بقوله عليه السلام: « صدق الله وكذب بطن أخيك »
قلنا: لعله عليه السلام علم بنور الوحي أن ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك ، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع أنه عليه السلام كان عالمًا بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك ، كان هذا جاريًا مجرى الكذب ، فلهذا السبب أطلق عليه هذا اللفظ .
ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: { إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } واعلم أن تقرير هذه الآية من وجوه: الأول: اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والمعارف الغامضة مثل بناء البيوت المسدسة وسائر الأحوال التي ذكرناها . والثاني: اهتداؤها إلى جميع تلك الأجزاء العسلية من أطراف الأشجار والأوراق . والثالث: خلق الله تعالى الأجزاء النافعة في جو الهواء ، ثم إلقاؤها على أطراف الأشجار والأوراق ، ثم إلهام النحل إلى جمعها بعد تفريقها وكل ذلك أمور عجيبة دالة على أن إله العالم بنى ترتيبه على رعاية الحكمة والمصلحة ، والله أعلم .