البحث الثاني: قال أصحاب أبي حنيفة C: يمين اللغو هي يمين الغموس ، والدليل عليه أنه تعالى قال: { ولا تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } فنهى في هذه الآية عن نقض الأيمان ، فوجب أن يكون كل يمين قابلًا للبر والحنث ، ويمين الغموس غير قابلة للبر والحنث فوجب أن لا تكون من الأيمان . واحتج الواحدي بهذه الآية على أن يمين اللغو هي قول العرب لا والله وبلى والله . قال إنما قال تعالى: { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } للفرق بين الأيمان المؤكدة بالعزم وبالعقد وبين لغو اليمين .
البحث الثالث: قوله: { وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } عام دخله التخصيص ، لأنا بينا أن الخبر دل على أنه متى كان الصلاح في نقض الأيمان جاز نقضها .
ثم قال: { وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلًا } هذه واو الحال ، أي لا تنقضوها وقد جعلتم الله كفيلًا عليكم بالوفاء ، وذلك أن من حلف بالله تعالى فكأنه قد جعل الله كفيلًا بالوفاء بسبب ذلك الحلف .
ثم قال: { إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } وفيه ترغيب وترهيب ، والمراد فيجازيكم على ما تفعلون إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر . ثم إنه تعالى أكد وجوب الوفاء ، وتحريم النقض وقال: { وَلاَ تَكُونُواْ كالتى نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنكاثا } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في المشبه به قولان:
القول الأول: أنها امرأة من قريش يقال لها رايطة ، وقيل ريطة ، وقيل تلقب جعراء وكانت حمقاء تغزل الغزل هي وجواريها فإذا غزلت وأبرمت أمرتهن فنقضن ما غزلن .
والقول الثاني: أن المراد بالمثل الوصف دون التعين ، لأن القصد بالأمثال صرف المكلف عنه إذا كان قبيحًا ، والدعاء إليه إذا كان حسنًا ، وذلك يتم به من دون التعيين .
المسألة الثانية: قوله: { مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } أي من به قوة الغزل بإبرامها وفتلها .
المسألة الثالثة: قوله: { أنكاثا } قال الأزهري: واحدها: نكث وهو الغزل من الصوف والشعر يبرم وينسج فإذا أحكمت النسيجة قطعتها ونكثت خيوطها المبرمة ونفشت تلك الخيوط وخلطت بالصوف ثم غزلت ثانية ، والنكث المصدر ، ومنه يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد إحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه .
المسألة الرابعة: في انتصاب قوله: { أنكاثا } وجوه: الأول: قال الزجاج: أنكاثًا منصوب لأنه بمعنى المصدر لأن معنى نكثت نقضت ومعنى نقضت نكثت ، وهذا غلط منه ، لأن الأنكاث جمع نكث وهو اسم لا مصدر فكيف يكون قوله: { أنكاثا } بمعنى المصدر؟ الثاني: قال الواحدي: أنكاثًا مفعول ثان كما تقول كسره أقطاعًا وفرقه أجزاء على معنى جعله أقطاعًا وأجزاء فكذا ههنا قوله: نقضت غزلها أنكاثًا أي جعلت غزلها أنكاثًا . الثالث: إن قوله: { أنكاثا } حال مؤكدة .
المسألة الخامسة: قال ابن قتيبة: هذه الآية متصلة بما قبلها ، والتقدير: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ، فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل المرأة التي غزلت غزلًا وأحكمته فلما استحكم نقضته فجعلته أنكاثًا .