« أما الأول فقد أخذ برخصة الله ، وأما الثاني فقد صدع بالحق ، فهنيئًا له » وجه الاستدلال بهذا الخبر من وجهين: الأول: أنه سمى التلفظ بكلمة الكفر رخصة . والثاني: أنه عظم حال من أمسك عنه حتى قتل . وثالثها: أن بذل النفس في تقرير الحق أشق ، فوجب أن يكون أكثر ثوابًا لقوله عليه السلام: « أفضل العبادات أحمزها » أي أشقها . ورابعها: أن الذي أمسك عن كلمة الكفر طهر قلبه ولسانه عن الكفر . أما الذي تلفظ بها فهب أن قلبه طاهر عنه إلا أن لسانه في الظاهر قد تلطخ بتلك الكلمة الخبيثة ، فوجب أن يكون حال الأول أفضل ، والله أعلم .
المسألة السابعة: اعلم أن للإكراه مراتب .
المرتبة الأولى: أن يجب الفعل المكره عليه مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر وأكل الخنزير وأكل الميتة فإذا أكرهه عليه بالسيف فههنا يجب الأكل ، وذلك لأن صون الروح عن الفوات واجب ، ولا سبيل إليه في هذه الصورة إلا بهذا الأكل ، وليس في هذا الأكل ضرر على حيوان ولا فيه إهانة لحق الله تعالى ، فوجب أن يجب لقوله تعالى: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } [ البقرة: 195 ] .
المرتبة الثانية: أن يصير ذلك الفعل مباحًا ولا يصير واجبًا ، ومثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر فههنا يباح له ولكنه لا يجب كما قررناه .
المرتبة الثالثة: أن لا يجب ولا يباح بل يحرم ، وهذا مثل ما إذا أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه فههنا يبقى الفعل على الحرمة الأصلية ، وهل يسقط القصاص عن المكره أم لا؟ قال الشافعي C: في أحد قوليه يجب القصاص ويدل عليه وجهان . الأول: أنه قتله عمدًا عدوانًا فيجب عليه القصاص لقوله تعالى: { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } [ البقرة: 178 ] . والثاني: أجمعنا على أن المكره إذا قصد قتله فإنه يحل له أن يدفعه عن نفسه ولو بالقتل ، فلما كان توهم إقدامه على القتل يوجب إهدار دمه ، فلأن يكون عند صدور القتل منه حقيقة يصير دمه مهدرًا كان أولى ، والله أعلم .
المسألة الثامنة: من الأفعال ما يقبل الإكراه عليه كالقتل والتكلم بكلمة الكفر ، ومنه ما لا يقبل الإكراه عليه قيل: وهو الزنا . لأن الإكراه يوجب الخوف الشديد وذلك يمنع من انتشار الآلة ، فحيث دخل الزنا في الوجود علم أنه وقع بالاختيار لا على سبيل الإكراه .
المسألة التاسعة: قال الشافعي C: طلاق المكره لا يقع ، وقال أبو حنيفة C: يقع ، وحجة الشافعي C: قوله: { لا إِكْرَاهَ فِى الدين } ولا يمكن أن يكون المراد نفي ذاته لأن ذاته موجودة فوجب حمله على نفي آثاره ، والمعنى: أنه لا أثر له ولا عبرة به ، وأيضًا قوله عليه السلام: