« رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه » وأيضًا قوله عليه السلام: « لا طلاق في إغلاق » أي إكراه فإن قالوا: طلقها فتدخل تحت قوله: { فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ } [ البقرة: 230 ] فالجواب لما تعارضت الدلائل ، وجب أن يبقى ما كان على ما كان على ما هو قولنا ، والله أعلم .
المسألة العاشرة: قوله: { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } يدل على أن محل الإيمان هو القلب والذي محله القلب إما الاعتقاد ، وإما كلام النفس ، فوجب أن يكون الإيمان عبارة إما عن المعرفة وإما عن التصديق بكلام النفس ، والله أعلم .
ثم قال تعالى: { ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي فتحه ووسعه لقبول الكفر وانتصب صدرًا على أنه مفعول لشرح ، والتقدير: ولكن من شرح بالكفر صدره ، وحذف الضمير لأنه لا يشكل بصدر غيره إذ البشر لا يقدر على شرح صدر غيره فهو نكرة يراد بها المعرفة .
ثم قال: { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مّنَ الله } والمعنى أنه تعالى حكم عليهم بالعذاب ثم وصف ذلك العذاب فقال: { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } .
ثم قال تعالى: { ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الأخرة } أي رجحوا الدنيا على الآخرة ، والمعنى: أن ذلك الارتداد وذلك الإقدام على الكفر لأجل أنه تعالى ما هداهم إلى الإيمان وما عصمهم عن الكفر . قال القاضي: المراد أن الله لا يهديهم إلى الجنة فيقال له هذا ضعيف ، لأن قوله: { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين } معطوف على قوله: { ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الأخرة } فوجب أن يكون قوله: { وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى القوم الكافرين } علة وسببًا موجبًا لإقدامهم على ذلك الارتداد ، وعدم الهداية يوم القيامة إلى الجنة ليس سببًا لذلك الارتداد ، ولا علة له بل مسببًا عنه ومعلولًا له فبطل هذا التأويل ، ثم أكد بيان أنه تعالى صرفهم عن الإيمان فقال: { أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم } قال القاضي: الطبع ليس يمنع من الإيمان ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم لهم ، ولو كانوا عاجزين عن الإيمان به لما استحقوا الذم بتركه . والثاني: أنه تعالى أشرك بين السمع والبصر وبين القلب في هذا الطبع ومعلوم من حال السمع والبصر أن مع فقدهما قد يصح أن يكون مؤمنًا فضلًا عن طبع يلحقهما في القلب . والثالث: وصفهم بالغفلة . ومن منع من الشيء لا يوصف بأنه غافل عنه ، فثبت أن المراد بهذا الطبع السمة والعلامة التي يخلقها في القلب ، وقد ذكرنا في سورة البقرة معنى الطبع والختم ، وأقول هذه الكلمات مع التقريرات الكثيرة ، ومع الجوابات القوية مذكورة في أول سورة البقرة وفي سائر الآيات فلا فائدة في الإعادة .