والنوع الخامس: قوله: { وَقُل رَّبّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } وفيه مباحث:
البحث الأول: قال القفال C تعالى: إنه لم يقتصر في تعليم البر بالوالدين على تعليم الأقوال بل أضاف إليه تعليم الأفعال وهو أن يدعو لهما بالرحمة فيقول: { رَّبّ ارحمهما } ولفظ الرحمة جامع لكل الخيرات في الدين والدنيا . ثم يقول: { كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا } يعين رب افعل بهما هذا النوع من الإحسان كما أحسنا إلي في تربيتهما إياي ، والتربية هي التنمية ، وهي من قولهم ربا الشيء إذا انتفع ، ومنه قوله تعالى: { فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الماء اهتزت وَرَبَتْ } [ فصلت: 39 ] .
البحث الثاني: اختلف المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها منسوخة بقوله تعالى: { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } [ التوبة: 113 ] فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين ، ولا يقول: رب ارحمهما .
والقول الثاني: أن هذه الآية غير منسوخة ، ولكنها مخصوصة في حق المشركين ، وهذا أولى من القول الأول لأن التخصيص أولى من النسخ .
والقول الثالث: أنه لا نسخ ولا تخصيص لأن الوالدين إذا كانا كافرين فله أن يدعو لهما بالهداية والإرشاد ، وأن يطلب الرحمة لهما بعد حصول الإيمان .
البحث الثالث: ظاهر الأمر للوجوب فقوله: { وَقُل رَّبّ ارحمهما } أمر وظاهر الأمر لا يفيد التكرار فيكفي في العمل بمقتضى هذه الآية ذكر هذا القول مرة واحدة ، سئل سفيان: كم يدعو الإنسان لوالديه؟ أفي اليوم مرة أو في الشهر أو في السنة؟ فقال: نرجو أن نجزئه إذا دعا لهما في أواخر التشهدات كما أن الله تعالى قال: { ياأيها الذين ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } [ الأحزاب: 56 ] فكانوا يرون أن التشهد يجزي عن الصلاة على النبي A ، وكما أن الله تعالى قال: { واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات } [ البقرة: 203 ] فهم يكررون في أدبار الصلوات .
ثم قال تعالى: { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صالحين } والمعنى أنا قد أمرناكم في هذه الآية بإخلاص العبادة لله تعالى وبالإحسان بالوالدين ، ولا يخفى على الله ما تضمرونه في أنفسكم من الإخلاص في الطاعة وعدم الإخلاص فيها ، فاعلموا أن الله تعالى مطلع على ما في نفوسكم بل هو أعلم بتلك الأحوال منكم بها ، لأن علوم البشر قد يختلط بها السهو والنسيان وعدم الإحاطة بالكل ، فأما علم الله فمنزه عن كل هذه الأحوال ، وإذا كان الأمر كذلك كان عالمًا بكل ما في قلوبكم والمقصود منه التحذير عن ترك الإخلاص .
ثم قال تعالى: { إِن تَكُونُواْ صالحين } أي إن كنتم برآء عن جهات الفساد في أحوال قلوبكم كنتم أوابين ، أي رجاعين إلى الله منقطعين إليه في كل الأعمال وسنة الله وحكمه في الأوابين أنه غفور لهم يكفر عنهم سيآتهم ، والأواب هو الذي من عادته وديدنه الرجوع إلى أمر الله تعالى والالتجاء إلى فضله ولا يلتجىء إلى شفاعة شفيع كما يفعله المشركون الذين يعبدون من دون الله جمادًا يزعمون أنه يشفع لهم ، ولفظ الأواب على وزن فعال ، وهو يفيد المداومة والكثرة كقولهم: قتال وضراب والمقصود من هذه الآية أن الآية الأولى لما دلت على وجوب تعظيم الوالدين من كل الوجوه ثم إن الولد قد يظهر منه نادرة مخلة بتعظيمهما فقال: { رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ } يعني أنه تعالى عالم بأحوال قلوبكم فإن كانت تلك الهفوة ليست لأجل العقوق بل ظهرت بمقتضى الجبلة البشرية كانت في محل الغفران ، والله أعلم .