قلنا: المراد من قوله: { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفّ } المنع من إظهار الضجر بالقليل أو الكثير ، والمراد من قوله: { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } المنع من إظهار المخالفة في القول على سبيل الرد عليه والتكذيب له .
النوع الثالث: قوله تعالى: { وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } واعلم أنه تعالى لما منع الإنسان بالآية المتقدمة عن ذكر القول المؤذي الموحش . والنهي عن القول المؤذي لا يكون أمرًا بالقول الطيب ، لا جرم أردفه بأن أمره بالقول الحسن والكلام الطيب فقال: { وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا } والمراد منه أن يخاطبه بالكلام المقرون بأمارات التعظيم والاحترام . قال عمر بن الخطاب Bه: هو أن يقول له: يا أبتاه يا أماه ، وسئل سعيد بن المسيب عن القول الكريم فقال: هو قول العبد المذنب للسيد الفظ ، وعن عطاء أن يقال: هو أن تتكلم معه بشرط أن لا ترفع عليهما صوتك ولا تشد إليهما نظرك ، وذلك لأن هذين الفعلين ينافيان القول الكريم .
فإن قيل: إن إبراهيم عليه السلام كان أعظم الناس حلمًا وكرمًا وأدبًا ، فكيف قال لأبيه يا آزر على قراءة من قرأ: { وَإِذْ قَالَ إبراهيم لأَبِيهِ ءازَرَ } بالضم: { إِنّى أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِى ضلال مُّبِينٍ } [ الأنعام: 74 ] فخاطبه بالاسم وهو إيذاء ، ثم نسبه ونسب قومه إلى الضلال وهو أعظم أنواع الإيذاء؟
قلنا: إن قوله تعالى: { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه وبالوالدين إحسانا } يدل على أن حق الله تعالى مقدم على حق الأبوين ، فإقدام إبراهيم عليه السلام على ذلك الإيذاء إنما كان تقديمًا لحق الله تعالى على حق الأبوين .
النوع الرابع: قوله: { واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة } والمقصود منه المبالغة في التواضع ، وذكر القفال C في تقريره وجهين: الأول: أن الطائر إذا أراد ضم فرخه إليه للتربية خفض له جناحه ، ولهذا السبب صار خفض الجناح كناية عن حسن التربية ، فكأنه قال للولد: اكفل والديك بأن تضمهما إلى نفسك كما فعلا ذلك بك حال صغرك . والثاني: أن الطائر إذا أراد الطيران والارتفاع نشر جناحه وإذا أراد ترك الطيران وترك الارتفاع خفض جناحه . فصار خفض الجناح كناية عن فعل التواضع من هذا الوجه .
فإن قيل: كيف أضاف الجناح إلى الذل والذل لا جناح له؟
قلنا: فيه وجهان: الأول: أنه أضيف الجناح إلى الذل كما يقال: حاتم الجود فكما أن المراد هناك حاتم الجواد فكذلك ههنا المراد ، واخفض لهما جناحك الذليل ، أي المذلول . والثاني: أن مدار الاستعارة على الخيالات فههنا تخيل للذل جناحًا وأثبت لذلك الجناح ضعفًا تكميلًا لأمر هذه الاستعارة كما قال لبيد:
إذ أصبحت بيد الشمال زمامها ... فأثبت للشمال يدًا ووضع زمامها في يد الشمال فكذا ههنا وقوله: { مِنَ الرحمة } معناه: ليكن خفض جناحك لهما بسبب فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما بسبب كبرهما وضعفهما .