فهرس الكتاب

الصفحة 4535 من 8321

والقول الثاني: أن هذا اللفظ إنما يدل على المنع من سائر أنواع الإيذاء بحسب القياس الجلي ، وتقريره أن الشرع إذا نص على حكم صورة وسكت عن حكم صورة أخرى ، فإذا أردنا إلحاق الصورة المسكوت عن حكمها بالصورة المذكور حكمها فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون ثبوت ذلك الحكم في محل السكوت أولى من ثبوته في محل الذكر مثل هذه الصورة ، فإن اللفظ إنما دل على المنع من التأفيف ، والضرب أولى بالمنع من التأفيف . وثانيها: أن يكون الحكم في محل السكوت مساويًا للحكم في محل الذكر ، وهذا هو الذي يسميه الأصوليون القياس في معنى الأصل ، وضربوا لهذا مثلًا وهو قوله عليه السلام: « من أعتق نصيبًا له من عبد قوم عليه الباقي » فإن الحكم في الأمة والعبد متساويان . وثالثها: أن يكون الحكم في محل السكوت أخفى من الحكم في محل الذكر وهو أكبر القياسات .

إذا عرفت هذا فنقول: المنع من التأفيف إنما يدل على المنع من الضرب بواسطة القياس الجلي الذي يكون من باب الاستدلال بالأدنى على الأعلى . والدليل عليه: أن التأفيف غير الضرب ، فالمنع من التأفيف لا يكون منعًا من الضرب ، وأيضًا المنع من التأفيف لا يستلزم المنع من الضرب عقلًا ، لأن الملك الكبير إذا أخذ ملكًا عظيمًا كان عدوًا له ، فقد يقول للجلاد إياك وأن تستخف به أو تشافهه بكلمة موحشة لكن اضرب رقبته ، وإذا كان هذا معقولًا في الجملة علمنا أن المنع من التأفيف مغاير للمنع من الضرب وغير مستلزم للمنع من الضرب عقلًا في الجملة ، إلا أنا علمنا في هذه الصورة أن المقصود من هذا الكلام المبالغة في تعظيم الوالدين بدليل قوله: { وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة } فكانت دلالة المنع من التأفيف على المنع من الضرب من باب القياس بالأدنى على الأعلى ، والله أعلم .

النوع الثاني: من الأشياء التي كلف الله تعالى العباد بها في حق الأبوين قوله: { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلام يزجره . قال تعالى: { وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ } [ الضحى: 10 ] .

فإن قيل: المنع من التأفيف يدل على المنع من الانتهار بطريق الأولى ، فلما قدم المنع من التأفيف كان ذكر المنع من الانتهار بعده عبثًا . أما لو فرضنا أنه قدم المنع من الانتهار ثم أتبعه بالمنع من التأفيف كان مفيدًا حسنًا ، لأنه يلزم من المنع من الانتهار المنع من التأفيف ، فما السبب في رعاية هذا الترتيب؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت