المسألة الثالثة: من الناس من تمسك بقوله تعالى: { أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء } على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف ، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى: { إِن كُنتُمْ صادقين } .
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت ، والأقرب أنه كان مبعوثًا إلى حواء ولا يبعد أيضًا أن يكون مبعوثًا إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلًا فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزًا ، وإذا ثبت كونه معجزًا ثبت كونه رسولًا في ذلك الوقت ، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة . وأيضًا فأما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذٍ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة ، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ إسمًا لكل واحد من تلك المسميات ، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين: الأول: ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات . وكان كل صنف جاهلًا بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزًا . الثاني: لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزًا ، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذٍ يصير الكلام في هذه المسألة فرعًا على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبيًا في ذلك الوقت بوجوه: أحدها: أنه لو كان نبيًا في ذلك الزمان ، لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة . وذلك غير جائز ، فوجب أن لا يكون نبيًا في ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة . وثانيها: لو كان رسولًا في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثًا إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثًا إلى أحد ، فإما أن يكون مبعوثًا إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولًا إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع ، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضًا فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى: