فهرس الكتاب

الصفحة 4559 من 8321

[ الشعراء: 221 ، 222 ] . وثانيها: أن الأحكام المذكورة في هذه الآيات شرائع واجبة الرعاية في جميع الأديان والملل ولا تقبل النسخ والإبطال ، فكانت محكمة وحمكة من هذا الاعتبار . وثالثها: أن الحكمة عبارة عن معرفة الحق لذاته والخير لأجل العمل به ، فالأمر بالتوحيد عبارة عن القسم الأول وسائر التكاليف عبارة عن تعليم الخيرات حتى يواظب الإنسان عليها ولا ينحرف عنها ، فثبت أن هذه الأشياء المذكورة في هذه الآيات عين الحكمة ، وعن ابن عباس: أن هذه الآيات كانت في ألواح موسى E: أولها: { وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } [ الإسراء: 22 ] قال تعالى: { وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الألواح مِن كُلّ شَيْء مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لّكُلّ شَيْء } [ الأعراف: 145 ] .

والفائدة الثانية: من فوائد هذه الآية أنه تعالى بدأ في هذه التكاليف بالأمر بالتوحيد ، والنهي عن الشرك وختمها بعين هذا المعنى ، والمقصود منه التنبيه على أن أول كل عمل وقول وفكر وذكر يجب أن يكون ذكر التوحيد ، وآخره يجب أن يكون ذكر التوحيد ، تنبيهًا على أن المقصود من جميع التكاليف هو معرفة التوحيد والاستغراق فيه ، فهذا التكرير حسن موقعه لهذه الفائدة العظيمة ثم إنه تعالى ذكر في الآية الأولى أن الشرك يوجب أن يكون صاحبه مذمومًا مخذولًا ، وذكر في الآية الأخيرة أن الشرك يوجب أن يلقي صاحبه في جهنم ملومًا مدحورًا ، فاللوم والخذلان يحصل في الدنيا ، وإلقاؤه في جهنم يحصل يوم القيامة ويجب علينا أن نذكر الفرق بين المذموم المخذول ، وبين الملوم المدحور . فنقول: أما الفرق بين المذموم وبين الملوم ، فهو أن كونه مذمومًا معناه: أن يذكر له أن الفعل الذي أقدم عليه قبيح ومنكر ، فهذا معنى كونه مذمومًا ، وإذا ذكر له ذلك فبعد ذلك يقال له لم فعلت مثل هذا الفعل ، وما الذي حملك عليه ، وما استفدت من هذا العمل إلا إلحاق الضرر بنفسك ، وهذا هو اللوم . فثبت أن أول الأمر هو أن يصير مذمومًا ، وآخره أن يصير ملومًا ، وأما الفرق بين المخذول وبين المدحور فهو أن المخذول عبارة عن الضعيف يقال: تخاذلت أعضاؤه أي ضعفت ، وأما المدحور فهو المطرود . والطرد عبارة عن الاستخفاف والإهانة قال تعالى: { وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا } [ الفرقان: 69 ] فكونه مخذولًا عبارة عن ترك إعانته وتفويضه إلى نفسه ، وكونه مدحورًا عبارة عن إهانته والاستخفاف به ، فثبت أن أول الأمر أن يصير مخذولًا ، وآخره أن يصير مدحورًا ، والله أعلم بمراده .

وأما قوله: { أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملئكة إِنَاثًا } فاعلم أنه تعالى لما نبه على فساد طريقة من أثبت لله شريكًا ونظيرًا نبه على طريقة من أثبت له الولد وعلى كمال جهل هذه الفرقة ، وهي أنهم اعتقدوا أن الولد قسمان؛ فأشرف القسمين البنون ، وأخسهما البنات . ثم إنهم أثبتوا البنين لأنفسهم مع علمهم بنهاية عجزهم ونقصهم وأثبتوا البنات لله مع علمهم بأن الله تعالى هو الموصوف بالكمال الذي لا نهاية له والجلال الذي لا غاية له ، وذلك يدل على نهاية جهل القائل بهذا القول ونظيره قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت