البحث الأول: قرأ ابن كثير { لئن أخرتني إلى يوم القيامة } بإثبات الياء في الوصل والوقف ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي بالحذف ونافع وأبو عمرو بإثباته في الوصل دون الوقف .
البحث الثاني: في الاحتناك قولان ، أحدهما: أنه عبارة عن الأخذ بالكلية ، يقال: أحتنك فلان ما عند فلان من مال إذا استقصاه وأخذه بالكلية ، واحتنك الجراد الزرع إذا أكله بالكلية . والثاني: أنه من قول العرب حنك الدابة يحنكها ، إذا جعل في حنكها الأسفل حبلًا يقودها به ، وقال أبو مسلم: الاحتناك افتعال من الحنك كأنهم يملكهم كما يملك الفارس فرسه بلجامه . فعلى القول الأول معنى الآية لأستأصلنهم بالإغواء . وعلى القول الثاني لأقودنهم إلى المعاصي كما تقاد الدابة بحبلها .
البحث الثالث: قوله: { إلا قليلًا } هم الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [ الإسراء: 65 ] فإن قيل كيف ظن إبليس هذا الظن الصادق بذرية آدم؟ قلنا فيه وجوه . الأول: أنه سمع الملائكة يقولون: { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } [ البقرة: 30 ] فعرف هذه الأحوال . الثاني: أنه وسوس إلى آدم فلم يجد له عزمًا فقال الظاهر أن أولاده يكونون مثله في ضعف العزم . الثالث: أنه عرف أنه مركب من قوة بهيمية شهوانية ، وقوة سبعية غضبية ، وقوة وهمية شيطانية ، وقوة عقلية ملكية ، وعرف أن القوى الثلاث أعني الشهوانية والغضبية والوهمية تكون هي المستولية في أول الخلقة ، ثم إن القوة العقلية إنما تكمل في آخر الأمر ، ومتى كان الأمر كذلك كان ما ذكره إبليس لازمًا ، واعلم أنه تعالى لما حكى عن إبليس ذلك حكى عن نفسه أنه تعالى قال له اذهب ، وهذا ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء وإنما معناه أمض لشأنك الذي اخترته ، والمقصود التخلية وتفويض الأمر إليه .