{ فَقَالُواْ هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا } [ الأنعام: 136 ] والأصوب ما قاله القاضي ، وأما المشاركة في الأولاد فذكروا فيه وجوهًا . أحدها: أنها الدعاء إلى الزنا ، وزيف الأصم ذلك بأن قال إنه لا ذم على الولد ، ويمكن أن يجاب عنه بأن المراد وشاركهم في طريق تحصيل الولد وذلك بالدعاء إلى الزنا . وثانيها: أن يسموا أولادهم بعبد اللات وعبد العزى . وثالثها: أن يرغبوا أولادهم في الأديان الباطلة كاليهودية والنصرانية وغيرهما . ورابعها: إقدامهم على قتل الأولاد ووأدهم . وخامسها: ترغيبهم في حفظ الأشعار المشتملة على الفحش وترغيبهم في القتل والقتال والحرف الخبيثة الخسيسة والضابط أن يقال إن كل تصرف من المرء في ولده على وجه يؤدي إلى ارتكاب منكر أو قبيح فهو داخل فيه .
والنوع الخامس: من الأشياء التي ذكرها الله تعالى لإبليس في هذه الآية قوله: { وَعدهم } .
واعلم أنه لما كان مقصود الشيطان الترغيب في الاعتقاد الباطل والعمل الباطل والتنفير عن الاعتقاد الحق والعمل الحق ، ومعلوم أن الترغيب في الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا ضرر ألبتة في فعله ومع ذلك فإنه يفيد المنافع العظيمة ، والتنفير عن الشيء لا يمكن إلا بأن يقرر عنده أنه لا فائدة في فعله ، ومع ذلك فيفيد المضار العظيمة ، إذا ثبت هذا فنقول: إن الشيطان إذا دعا إلى المعصية فلا بد وأن يقرر أولًا أنه لا مضرة في فعله ألبتة ، وذلك إنما يمكن إذا قال لا معاد ولا جنة ولا نار ، ولا حياة بعد هذه الحياة ، فبهذا الطريق يقرر عنده أنه لا مضرة ألبتة في فعل هذه المعاصي ، وإذا فرغ عن هذا المقام قرر عنده أن هذا الفعل يفيد أنواعًا من اللذة والسرور ولا حياة للإنسان في هذه الدنيا إلا به ، فتفويتها غبن وخسران كما قال الشاعر:
خذوا بنصيب من سرور ولذة ... فكل وإن طال المدى يتصرم
فهذا هو طريق الدعوة إلى المعصية ، وأما طريق التنفير عن الطاعة فهو أن يقرر أولًا عنده أنه لا فائدة فيه وتقريره من وجهين . الأول: أن يقول لا جنة ولا نار ولا ثواب ولا عذاب . والثاني: أن هذه العبادات لا فائدة فيها للعابد والمعبود فكانت عبثًا محضًا فبهذين الطريقين يقرر الشيطان عند الإنسان أنه لا فائدة فيها ، وإذا فرغ عن هذا المقام قال إنها توجب التعب والمحنة وذلك أعظم المضار ، فهذه مجامع تلبيس الشيطان ، فقوله: { وَعِدهم } يتناول كل هذه الأقسام ، قال المفسرون قوله: { وَعدهم } أي بأنه لا جنة ولا نار ، وقال آخرون: { وَعِدهم } بتسويف التوبة ، وقال آخرون { وَعِدهم } بالأماني الباطلة مثل قوله لآدم: