{ مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } [ الأعراف: 20 ] وقال آخرون: وعدهم بشفاعة الأصنام عند الله تعالى وبالأنساب الشريفة وإيثار العاجل على الآجل ، وبالجملة فهذه الأقسام كثيرة وكلها داخلة في الضبط الذي ذكرناه وإن أردت الاستقصاء في هذا الباب فطالع كتاب ذم الغرور من كتاب إحياء علوم الدين للشيخ الغزالي حتى يحيط عقلك بمجامع تلبيس إبليس ، واعلم أن الله تعالى لما قال: { وَعِدهم } أردفه بما يكون زاجرًا عن قبول وعده فقال: { وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُورًا } والسبب فيه أنه إنما يدعو إلى أحد أمور ثلاثة قضاء الشهوة وإمضاء الغضب وطلب الرياسة وعلو الدرجة ولا يدعو ألبتة إلى معرفة الله تعالى ولا إلى خدمته ، وتلك الأشياء الثلاثة معنوية من وجوه كثيرة . أحدها: أنها في الحقيقة ليست لذات بل هي خلاص عن الآلام . وثانيها: وإن كانت لذات لكنها لذات خسيسة مشترك فيها بين الكلاب والديدان والخنافس وغيرها . وثالثها: أنها سريعة الذهاب والانقضاء والانقراض . ورابعها: أنها لا تحصل إلا بمتاعب كثيرة ومشاق عظيمة . وخامسها: أن لذات البطن والفرج لا تتم إلا بمزاولة رطوبات عفنة مستقذرة . وسادسها: أنها غير باقية بل يتبعها الموت والهرم والفقر والحسرة على الفوت والخوف من الموت . فلما كانت هذه المطالب وإن كانت لذيذة بحسب الظاهر إلا أنها ممزوجة بهذه الآفات العظيمة والمخالفات الجسيمة ، كان الترغيب فيها تغريرًا ، ولهذا المعنى قال تعالى: { وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُورًا } .
واعلم أنه تعالى لما قال له افعل ما تقدر عليه فقال تعالى: { إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } وفيه قولان:
الأول: أن المراد كل عباد الله من المكلفين ، وهذا قول أبي علي الجبائي ، قال والدليل عليه أن الله تعالى إستثنى منه في آيات كثيرة من يتبعه بقوله: { إِلاَّ مَنِ اتبعك } [ الحجر: 42 ] ثم استدل بهذا على أنه لا سبيل لإبليس وجنوده على تصريع الناس وتخبيط عقولهم وأنه لا قدرة له إلا على قدر الوسوسة وأكد ذلك بقوله تعالى: { وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } [ إبراهيم: 22 ] . وأيضًا فلو قدر على هذه الأعمال لكان يجب أن يتخبط أهل الفضل وأهل العلم دون سائر الناس ليكون ضرره أعظم . ثم قال وإنما يزول عقله لا من جهة الشيطان لكن لغلبة الأخلاط الفاسدة ولا يمتنع أن يكون أحد أسباب ذلك المرض اعتقاد أن الشيطان يقدم عليه فيغلب الخوف فيحدث ذلك المرض .
والقول الثاني: أن المراد بقوله: { إِنَّ عِبَادِي } أهل الفضل والعلم والإيمان لما بينا فيما تقدم أن لفظ العباد في القرآن مخصوص بأهل الإيمان ، والدليل عليه أنه قال في آية أخرى: