فهرس الكتاب

الصفحة 4589 من 8321

{ إِنَّمَا سلطانه على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ } [ النحل: 100 ] .

ثم قال: { وكفى بِرَبّكَ وَكِيلًا } وفيه بحثان:

البحث الأول: أنه تعالى لما مكن إبليس من أن يأتي بأقصى ما يقدر عليه في باب الوسوسة ، وكان ذلك سببًا لحصول الخوف الشديد في قلب الإنسان قال: { وكفى بِرَبّكَ وَكِيلًا } ومعناه أن الشيطان وإن كان قادرًا فالله تعالى أقدر منه وأرحم بعباده من الكل فهو تعالى يدفع عنه كيد الشيطان ويعصمه من إضلاله وإغوائه .

البحث الثاني: هذه الآية تدل على أن المعصوم من عصمه الله تعالى وأن الإنسان لا يمكنه أن يحترز بنفسه عن مواقع الضلالة ، لأنه لو كان الإقدام على الحق والاحجام عن الباطل إنما يحصل للإنسان من نفسه لوجب أن يقال: وكفى الإنسان نفسه في الاحتراز عن الشيطان ، فلما لم يقل ذلك بل قال: { وكفى بِرَبّكَ } علمنا أن الكل من الله ، ولهذا قال المحققون: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله . بقي في الآية سؤالان:

السؤال الأول: أن إبليس هل كان عالمًا بأن الذي تكلم معه بقوله: { واستفزز مَنِ استطعت مِنْهُمْ } هو إله العالم أو لم يعلم ذلك؟ فإن علم ذلك ثم إنه تعالى قال: { فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوفُورًا } [ الإسراء: 63 ] فكيف لم يصر هذا الوعيد الشديد مانعًا له من المعصية مع أنه سمعه من الله تعالى من غير واسطة؟ وإن لم يعلم أن هذا القائل هو إله العالم ، فكيف قال: { قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذي كَرَّمْتَ عليَّ } [ الإسراء: 62 ] .

والجواب: لعله كان شاكًا في الكل أو كان يقول في كل قسم ما يخطر بباله على سبيل الظن .

والسؤال الثاني: ما الحكمة في أنه تعالى أنظره إلى يوم القيامة ومكنه من الوسوسة؟ والحكيم إذا أراد أمرًا وعلم أن شيئًا من الأشياء يمنع من حصوله فإنه لا يسعى في تحصيل ذلك المانع .

والجواب: أما مذهبنا فظاهر في هذا الباب ، وأما المعتزلة فلهم قولان: قال الجبائي: علم الله تعالى أن الذين كفروا عند وسوسة إبليس يكفرون بتقدير أن لا يوجد إبليس ، وإذا كان كذلك لم يكن في وجوده مزيد مفسدة ، وقال أبو هاشم: لا يبعد أن يحصل من وجوده مزيد مفسدة ، إلا أنه تعالى أبقاه تشديدًا للتكليف على الخلق ليستحقوا بسبب ذلك التشديد مزيد الثواب ، وهذان الوجهان قد ذكرناهما في سورة الأعراف والحجر ، وبالغنا في الكشف عنهما ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت