البحث الثاني: في انتصاب قوله عددًا وجهان . أحدهما: نعت لسنين المعنى سنين ذات عدد أي معدودة هذا قول الفراء وقول الزجاج وعلى هذا يجوز في الآية ضربان من التقدير ، أحدهما: حذف المضاف . والثاني: تسمية المفعول باسم المصدر . قال الزجاج: ويجوز أن ينتصب على المصدر ، المعنى تعد عدًا ثم قال تعالى: { ثُمَّ بعثناهم } يريد من بعد نومهم يعني أيقظناهم بعد نومهم وقوله: { لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } فيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { ثُمَّ بعثناهم لِنَعْلَم } اللام لام الغرض فيدل على أن أفعال الله معللة بالأغراض وقد سبق الكلام فيه .
المسألة الثانية: ظاهر اللفظ يقتضي أنه تعالى إنما بعثهم ليحصل له هذا العلم وعند هذا يرجع إلى أنه تعالى هل يعلم الحوادث قبل وقوعها أم لا ، فقال هشام: لا يعلمها إلا عند حدوثها واحتج بهذه الآية والكلام فيه قد سبق ، ونظائر هذه الآية كثيرة في القرآن منها ما سبق في هذه السورة ومنها قوله في سورة البقرة: { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } [ البقرة: 143 ] وفي آل عمران { وَلَمَّا يَعْلَمِ الله الذين جاهدوا مِنكُمْ } [ آل عمران: 142 ] وقوله: { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ } [ الكهف: 7 ] وقوله: { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ } [ محمد: 31 ] .
المسألة الثالثة: { أَيُّ } رفع بالابتداء و { أحصى } خبره وهذه الجملة بمجموعها متعلق العلم فلهذا السبب لم يظهر عمل قوله: { لَنَعْلَمُ } في لفظة { أَيُّ } بل بقيت على ارتفاعها ونظيره قوله: اذهب فاعلم أيهم قام قال تعالى: { سَلْهُمْ أَيُّهُم بذلك زَعِيمٌ } [ القلم: 40 ] وقوله: { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيًّا } [ مريم: 69 ] وقرىء ليعلم على فعل ما لم يسم فاعله وفي هذه القراءة فائدتان . إحداهما: أن على هذا التقدير لا يلزم إثبات العلم المتجدد لله بل المقصود أنا بعثناهم ليحصل هذا العلم لبعض الخلق . والثانية: أن على هذا التقدير يجب ظهور النصب في لفظة أي ، لكن لقائل أن يقول: الإشكال بعد باق لأن ارتفاع لفظة أي بالإبتداء لا بإسناد يعلم إليه . ولمجيب أن يجيب فيقول: إنه لا يمتنع اجتماع عاملين على معمول واحد لأن العوامل النحوية علامات ومعرفات ولا يمتنع اجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد ، والله أعلم .
المسألة الرابعة: اختلفوا في الحزبين فقال عطاء عن ابن عباس Bهما: المراد بالحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة ملكًا بعد ملك ، فالملوك حزب وأصحاب الكهف حزب . والقول الثاني: قال مجاهد: الحزبان من هذه الفتية لأن أصحاب الكهف لما انتبهوا اختلفوا في أنهم كم ناموا والدليل عليه قوله تعالى: