المسألة الثالثة: قوله: { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } فيه فوائد:
الفائدة الأولى: الآية تدل على أن صدور الفعل عن الفاعل بدون القصد والداعي محال .
الفائدة الثانية: أن صيغة الأمر لا لمعنى الطلب في كتاب الله كثيرة ثم نقل عن علي بن أبي طالب Bه أنه قال هذه الصيغة تهديد ووعيد وليست بتخيير .
الفائدة الثالثة: أنها تدل على أنه تعالى لا ينتفع بإيمان المؤمنين ولا يستضر بكفر الكافرين ، بل نفع الإيمان يعود عليهم ، وضرر الكفر يعود عليهم ، كما قال تعالى: { إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الإسراء: 7 ] ، واعلم أنه تعالى لما وصف الكفر والإيمان والباطل والحق أتبعه بذكر الوعيد على الكفر والأعمال الباطلة ، وبذكر الوعد على الإيمان والعمل الصالح . أما الوعيد فقوله تعالى: { إِنَّا اعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا } يقول اعتدنا لمن ظلم نفسه ووضع العبادة في غير موضعها والأنفة في غير محلها فعندما استحسن بهواه وأنف عن قبول الحق لأجل أن الذين قبلوه فقراء ومساكين ، فهذا كله ظلم ووضع للشيء في غير موضعه . فأخبر تعالى أنه أعد لهؤلاء الأقوام نارًا وهي الجحيم ، ثم وصف تعالى تلك النار بصفتين: الصفة الأولى: قوله: { وَأَحَاطَ * بِهِمْ سُرَادِقُهَا } والسرادق هو الحجزة التي تكون حول الفسطاط فأثبت للنار شيئًا شبيهًا بذلك يحيط بهم من جميع الجهات ، والمراد أنه لا مخلص لهم منها ولا فرجة يتفرجون بالنظر إلى ما وراءها من غير النار بل هي محيطة بهم من كل الجوانب . وقال بعضهم: المراد من هذا السرادق الدخان الذي وصفه الله في قوله: { انطلقوا إلى ظِلّ ذِى ثلاث شُعَبٍ } [ المرسلات: 30 ] وقالوا: هذه الإحاطة بهم إنما تكون قبل دخولهم النار فيغشاهم هذا الدخان ويحيط بهم كالسرادق حول الفسطاط .