فإن قيل: هب أنه شك في القيامة فكيف قال: ما أظن أن تبيد هذه أبدًا مع أن الحدس يدل على أن أحوال الدنيا بأسرها ذاهبة باطلة غير باقية؟ قلنا: المراد أنها لا تبيد مدة حياته ووجوده ، ثم قال: { وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبّى لأَجِدَنَّ خَيْرًا مّنْهَا مُنْقَلَبًا } أي مرجعًا وعاقبة وانتصابه على التمييز ونظيره قوله تعالى: { وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى } وقوله: { لأَوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا } [ مريم: 77 ] والسبب في وقوع هذه الشبهة أنه تعالى لما أعطاه المال في الدنيا ظن أنه إنما أعطاه ذلك لكونه مستحقًا له ، والاستحقاق باق بعد الموت فوجب حصول العطاء . والمقدمة الأولى كاذبة فإن فتح باب الدنيا على الإنسان يكون في أكثر الأمر للاستدراج والتملية ، قرأ نافع وابن كثير خيرًا منهما ، والمقصود عود الكناية إلى الجنتين ، والباقون منها ، والمقصود عود الكناية إلى الجنة التي دخلها ، ثم ذكر تعالى جواب المؤمن فقال جل جلاله: { قَالَ لَهُ صاحبه وَهُوَ يحاوره أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا } وفيه بحثان:
البحث الأول: أن الإنسان الأول قال: { وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً } وهذا الثاني كفره حيث قال: { أَكَفَرْتَ بالذى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } وهذا يدل على أن الشاك في حصول البعث كافر .
البحث الثاني: هذا الاستدلال يحتمل وجهين: الأول: يرجع إلى الطريقة المذكورة في القرآن وهو أنه تعالى لما قدر على الابتداء وجب أن يقدر على الإعادة فقوله: { خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا } إشارة إلى خلق الإنسان في الابتداء . الوجه الثاني: أنه لما خلقك هكذا فلم يخلقك عبثًا ، وإنما خلقك للعبودية وإذا خلقك لهذا المعنى وجب أن يحصل للمطيع ثواب وللمذنب عقاب وتقريره ما ذكرناه في سورة يس ، ويدل على هذا الوجه قوله: { ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا } أي هيأك هيئة تعقل وتصلح للتكليف فهل يجوز في العقل مع هذه الحالة إهماله أمرك ثم قال المؤمن: { لَكُنَّا هُوَ الله رَبّي } وفيه بحثان:
البحث الأول: قال أهل اللغة لكنا أصله لكن أنا فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون لكن فاجتمعت النونان فادغمت نون لكن في النون التي بعدها ومثله: