المسألة الأولى: اعلم أن المتعلم على قسمين متعلم ليس عنده شيء من العلم ولم يمارس القيل والقال ولم يتعود التقرير والاعتراض ، ومتعلم حصل العلوم الكثيرة ومارس الاستدلال والاعتراض . ثم إنه يريد أن يخالط إنسانًا أكمل منه ليبلغ درجة التمام والكمال والتعلم في هذا القسم الثاني شاق شديد ، وذلك لأنه إذا رأى شيئًا أو سمع كلامًا فربما كان ذلك بحسب الظاهر منكرًا إلا أنه كان في الحقيقة حقًا صوابًا ، فهذا المتعلم لأجل أنه ألف القيل والقال وتعود الكلام والجدال يغتر ظاهره ولأجل عدم كماله لا يقف على سره وحقيقته ، وحينئذ يقدم على النزاع والاعتراض والمجادلة ، وذلك مما يثقل سماعه على الأستاذ الكامل المتبحر فإذا اتفق مثل هذه الواقعة مرتين أو ثلاثة حصلت النفرة التامة والكراهة الشديدة ، وهذا هو الذي أشار إليه الخضر بقوله: { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا } إشارة إلى أنه ألف الكلام وتعود الإثبات والإبطال والاستدلال والاعتراض ، وقوله: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } إشارة إلى كونه غير عالم بحقائق الأشياء كما هي ، وقد ذكرنا أنه متى حصل الأمران صعب السكوت وعسر التعليم وانتهى الأمر بالآخرة إلى النفرة والكراهية وحصول التقاطع والتنافر .