المسألة الثانية: احتج أصحابنا بقوله: { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا } على أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل . قالوا: لو كانت الاستطاعة على الفعل حاصلة قبل حصول الفعل لكانت الاستطاعة على الصبر حاصلة لموسى عليه السلام قبل حصول الصبر فيلزم أن يصير قوله: { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا } كذبًا ، ولما بطل ذلك علمنا أن الاستطاعة لا توجد قبل الفعل . أجاب الجبائي عنه: أن المراد من هذا القول أنه يثقل عليه الصبر لا أنه لا يستطيعه ، يقال في العرف: إن فلانًا لا يستطيع أن يرى فلانًا و ( لا ) أن يجالسه إذا كان يثقل عليه ذلك ونظيره قوله تعالى: { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } أي كان يشق عليهم الاستماع ، فيقال له: هذا عدول عن الظاهر من غير دليل وإنه لا يجوز . وأقول مما يؤكد هذا الاستدلال الذي ذكره الأصحاب قوله تعالى: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } استبعد حصول الصبر على ما لم يقف الإنسان على حقيقته ، ولو كانت الاستطاعة قبل الفعل لكانت القدرة على العلم حاصلة قبل حصول ذلك العلم ، ولو كان كذلك لما كان حصول الصبر عند عدم ذلك العلم مستبعدًا لأن القادر على الفعل لا يبعد منه إقدامه على ذلك الفعل ، ولما حكم الله باستبعاده علمنا أن الاستطاعة لا تحصل قبل الفعل . ثم حكى الله تعالى عن موسى أنه قال: { سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْرًا } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: احتج الطاعنون في عصمة الله الأنبياء بهذه الآية فقالوا: إن الخضر قال لموسى: { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا } وقال موسى: { سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْرًا } وكل واحد من هذين القولين يكذب الآخر فيلزم إلحاق الكذب بأحدهما وعلى التقديرين فيلزم صدور الكذب عن الأنبياء عليهم السلام ، والجواب أن يحمل قوله: { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا } على الأكثر الأغلب وعلى هذا التقدير فلا يلزم ما ذكروه .