فهرس الكتاب

الصفحة 4779 من 8321

وثانيها: قال سفيان بن عيينة أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه ، ويوم يموت فيرى قومًا ما شاهدهم قط ، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم فأكرم الله يحيى E فخصه بالسلام عليه في هذه المواطن الثلاثة . وثالثها: قال عبد الله بن نفطوية: { وسلام عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ } أي أول ما يرى الدنيا { وَيَوْمَ يَمُوتُ } أي أول يوم يرى فيه أول أمر الآخرة { وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًا } أي أول يوم يرى فيه الجنة والنار وهو يوم القيامة . وإنما قال: { حَيًا } تنبيهًا على كونه من الشهداء لقوله تعالى: { بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آل عمران: 169 ] فروع . الأول: هذا السلام يمكن أن يكون من الله تعالى وأن يكون من الملائكة وعلى التقديرين فدلالة شرفه وفضله لا تختلف لأن الملائكة لا يسلمون إلا عن أمر الله تعالى . الثاني: ليحيى مزية في هذا السلام على ما لسائر الأنبياء عليهم السلام كقوله: { سلام على نُوحٍ فِى العالمين } [ الصافات: 79 ] . { سلام على إبراهيم } [ الصافات: 109 ] لأنه قال و { يَوْمَ وُلِدَ } وليس ذلك لسائر الأنبياء عليهم السلام . الثالث: روي أن عيسى عليه السلام قال ليحيى عليه السلام: أنت أفضل مني لأن الله تعالى سلم عليك وأنا سلمت على نفسي ، وهذا ليس يقوى لأن سلام عيسى على نفسه يجري مجرى سلام الله على يحيى لأن عيسى معصوم لا يفعل إلا ما أمره الله به . الرابع: السلام عليه يوم ولد لا بد وأن يكون تفضلًا من الله تعالى لأنه لم يتقدم منه ما يكون ذلك جزاء له ، وأما السلام عليه يوم يموت ويوم يبعث في المحشر ، فقد يجوز أن يكون ثوابًا كالمدح والتعظيم ، والله تعالى أعلم . القول في فوائد هذه القصة . الفائدة الأولى: تعليم آداب الدعاء وهي من جهات . أحدها: قوله: { نِدَاء خَفِيًّا } [ مريم: 3 ] وهو يدل على أن أفضل الدعاء ما هذا حاله ويؤكد قوله تعالى: { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } [ الأعراف: 55 ] ولأن رفع الصوت مشعر بالقوة والجلادة وإخفاء الصوت مشعر بالضعف والانكسار وعمدة الدعاء الانكسار والتبري عن حول النفس وقوتها والاعتماد على فضل الله تعالى وإحسانه . وثانيها: أن المحتسب أن يذكر في مقدمة الدعاء عجز النفس وضعفها كما في قوله تعالى عنه: { وَهَنَ العظم مِنّى واشتعل الرأس شَيْبًا } [ مريم: 4 ] ثم يذكر كثرة نعم الله على ما في قوله: { وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيًّا } [ مريم: 4 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت