فهرس الكتاب

الصفحة 481 من 8321

{ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ } [ النحل: 2 ] والمفسرون فسروا هذا الروح بالعلم والقرآن وكما أن البدن بلا روح ميت فاسد فكذا الروح بلا علم ميت ونظيره قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى: 52 ] فالعلم روح الروح ونور النور ولب اللب ومن خواص هذه السعادة أنها تكون باقية آمنة عن الفناء والتغير ، فإن التصورات الكلية لا يتطرق إليها الزوال والتغير وإذا كانت هذه السعادة في نهاية الجلالة في ذاتها ثم إنها باقية أبد الآبدين ودهر الداهرين كانت لا محالة أكمل السعادات وأيضًا فالأنبياء صلوات الله عليهم ما بعثوا إلا للدعوة إلى الحق قال تعالى: { ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة } [ النحل: 125 ] إلى آخره ، وقال: { قُلْ هذه سَبِيلِى ادعوا إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى } [ يوسف: 108 ] ثم خذ من أول الأمر فإنه سبحانه لما قال: { إِنّى جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً } [ البقرة: 30 ] قالت الملائكة: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } قال سبحانه: { إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فأجابهم سبحانه بكونه عالمًا فلم يجعل سائر صفات الجلال من القدرة . والإرادة ، والسمع ، والبصر ، والوجود ، والقدم ، والاستغناء عن المكان والجهة جوابًا لهم وموجبًا لسكوتهم وإنما جعل صفة العلم جوابًا لهم وذلك يدل على أن صفات الجلال والكمال وإن كانت بأسرها في نهاية الشرف إلا أن صفة العلم أشرف من غيرها ثم إنه سبحانه إنما أظهر فضل آدم عليه السلام بالعلم وذلك يدل أيضًا على أن العلم أشرف من غيره ثم إنه سبحانه لما أظهر علمه جعله مسجود الملائكة وخليفة العالم السفلى وذلك يدل على أن تلك المنقبة إنما استحقها آدم عليه السلام بالعلم ثم إن الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس والافتخار بهما إنما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم فإنهما إن حصلا بدون العلم كان ذلك نفاقًا والنفاق أخس المراتب قال تعالى: { إِنَّ المنافقين فِى الدرك الأسفل مِنَ النار } [ النساء: 145 ] أو تقليدًا والتقليد مذموم فثبت أن تسبيحهم وتقديسهم إنما صار موجبًا للافتخار ببركة العلم . ثم إن آدم عليه السلام إنما وقع عليه اسم المعصية لأنه أخطأ في مسألة واحدة اجتهادية على ما سيأتي بيانه ولأجل هذا الخطأ القليل وقع فيما وقع فيه والشيء كلما كان الخطر فيه أكثر كان أشرف فذلك يدل على غاية جلالة العلم . ثم إنه ببركة جلالة العلم لما تاب وأناب وترك الإصرار والاستكبار وجد خلعة الاجتباء ، ثم انظر إلى إبراهيم عليه السلام كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم على ما قال تعالى: { فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اليل رَأَى كَوْكَبًا } [ الأنعام: 76 ] ثم انتقل من الكواكب إلى القمر ومن القمر إلى الشمس ولم يزل ينتقل بفكره من شيء إلى شيء إلى أن وصل بالدليل الزاهر والبرهان الباهر إلى المقصود وأعرض عن الشرك فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت