{ إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض } [ الأنعام: 79 ] فلما وصل إلى هذه الدرجة مدحه الله تعالى بأشرف المدائح وعظمه على أتم الوجوه فقال تارة: { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض } [ الأنعام: 75 ] وقال أخرى: { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتيناها إبراهيم على قَوْمِهِ نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } [ الأنعام: 83 ] ثم إنه عليه السلام بعد الفراغ من معرفة المبدأ اشتغل بمعرفة المعاد فقال: { وَإِذْ قَالَ إبراهيم رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى } [ البقرة: 260 ] ثم لما فرغ من التعلم اشتغل بالتعليم والمحاجة تارة مع أبيه على ما قال: { لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ } [ مريم: 42 ] وتارة مع قومه فقال: { مَا هذه التماثيل التى أَنتُمْ لَهَا عاكفون } [ الأنبياء: 52 ] وأخرى مع ملك زمانه فقال: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذى حَاجَّ إبراهيم فِى رِبّهِ } [ البقرة: 258 ] وانظر إلى صالح وهود وشعيب كيف كان اشتغالهم في أوائل أمورهم وأواخرها بالتعلم والتعليم وإرشاد الخلق إلى النظر والتفكر في الدلائل وكذلك أحوال موسى عليه السلام مع فرعون وجنوده ووجوه دلائله معه ، ثم انظر إلى حال سيدنا ومولانا محمد A كيف من الله عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال: { وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فأغنى } [ الضحى: 7 8 ] فقدم الامتنان بالعلم على الامتنان بالمال وقال أيضًا: { مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان } [ الشورى: 52 ] وقال: { مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هذا } [ هود: 49 ] ثم إنه أول ما أوحى إليه قال: { اقرأ باسم رَبّكَ } [ العلق: 1 ] ثم قال: { وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } [ النساء: 113 ] وهو E كان أبدًا يقول: أرنا الأشياء كما هي . فلو لم يظهر للإنسان مما ذكرنا من الدلائل النقلية والعقلية شرف العلم لاستحال أن يظهر له شيء أصلًا وأيضًا فإن الله تعالى سمى العلم في كتابه بالأسماء الشريفة . فمنها: الحياة { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه } [ الأنعام: 122 ] . وثانيها: الروح { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مّنْ أَمْرِنَا } [ الشورى: 52 ] ، وثالثها: النور { الله نُورُ السموات والأرض } [ النور: 35 ] وأيضًا قال تعالى في صفة طالوت: { إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم } [ البقرة: 247 ] فقدم العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن ، فسعادة البدن أشرف من السعادة المالية فإذا كانت السعادة العلمية راجحة على السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحة على السعادة المالية . وقال يوسف { اجعلنى على خَزَائِنِ الأرض إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } [ يوسف: 55 ] ولم يقل إني حسيب نسيب فصيح مليح ، وأيضًا فقد جاء في الخبر «المرء بأصغريه قلبه ولسانه» إن تكلم تكلم بلسانه ، وإن قاتل قاتل بجنانه ، قال الشاعر:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم
وأيضًا فإن الله تعالى قدم عذاب الجهل على عذاب النار فقال: { كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ الجحيم }