فإذا كنت بهذه الذرة عرفت هذه الأسرار فكيف يكون علمه بخمس دوانيق ونصف . أفلا يعلم بذلك العلم أسرار عبوديتك؟ فهذا تحقيق قوله: { وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى } بل الحق أن الدينار بتمامه له ، لأن الذي علمته فإنما علمته بتعليمه على ما قال: { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [ النساء: 166 ] وقال: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } [ الملك: 14 ] ولهذا مثال وهو الشمس فإن ضوءها يجعل العالم مضيئًا ، ولا ينتقص ألبتة من ضوئها شيء ، فكذا ههنا فكيف لا يكون عالمًا بالسر والأخفى ، فإن من تدبيراته في خلق الأشجار وأنواع النبات أنها ليس لها فم ولا سائر آلات الغذاء فلا جرم أصولها مركوزة في الأرض تمتص بها الغذاء فيتأدى ذلك الغذاء إلى الأغصان ومنها إلى العروق ومنها إلى الأوراق ، ثم إنه تعالى جعل عروقها كالأطناب التي بها يمكن ضرب الخيام . وكما أنه لا بد من مد الطنب من كل جانب لتبقى الخيمة واقفة ، كذلك العروق تذهب من كل جانب لتبقى الشجرة واقفة ، ثم لو نظرت إلى كل ورقة وما فيها من العروق الدقيقة المبثوثة فيها ليصل الغذاء منها إلى كل جانب من الورقة ليكون ذلك تقوية لجرم الورقة فلا يتمزق سريعًا ، وهي شبه العروق المخلوقة في بدن الحيوان لتكون مسالك للدم والروح فتكون مقوية للبدن ، ثم انظر إلى الأشجار فإن أحسنها في المنظر الدلب والخلاف ، ولا حاصل لهما ، وأقبحها شجرة التين والعنب ، و [ لكن ] انظر إلى منفعتهما ، فهذه الأشياء وأشباهها تظهر أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض .
أما قوله تعالى: { الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسماء الحسنى } فالكلام فيه على قسمين . الأول: في التوحيد اعلم أن دلائل التوحيد ستأتي إن شاء الله في تفسير قوله تعالى: