ورابعها: قالوا: ترك الكلام له أربعة أسماء الصمت والسكوت والإنصات والإصاخة ، فأما الصمت فهو أعمها لأنه يستعمل فيما يقوى على النطق وفيما لا يقوى عليه ولهذا يقال: مال ناطق وصامت وأما السكوت فهو ترك الكلام ممن يقدر على الكلام والانصات سكوت مع استماع ومتى انفك أحدهما عن الآخر لا يقال له إنصات قال تعالى: { فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } [ الأعراف: 204 ] والإصاخة استماع إلى ما يصعب إدراكه كالسر والصوت من المكان البعيد . واعلم أن الصمت عدم ولا فضيلة فيه بل النطق في نفسه فضيلة والرذيلة في محاورته ولولاه لما سأل كليم الله ذلك في قوله تعالى: { واحلل عُقْدَةً مّن لِّسَانِي } .
المسألة الثانية: اختلفوا في تلك العقدة التي كانت في لسان موسى عليه السلام على قولين ، الأول: كان ذلك التعقد خلقة الله تعالى فسأل الله تعالى إزالته . الثاني: السبب فيه أنه عليه السلام حال صباه أخذ لحية فرعون ونتفها فهم فرعون بقتله وقال هذا هو الذي يزول ملكي على يده فقالت آسية: إنه صبي لا يعقل وعلامته أن تقرب منه التمرة والجمرة فقربا إليه فأخذ الجمرة فجعلها في فيه وهؤلاء اختلفوا فمنهم من قال لم تحترق اليد ولا اللسان لأن اليد آلة أخذ العصا وهي الحجة واللسان آلة الذكر فكيف يحترق ولأن إبراهيم عليه السلام لم يحترق بنار نمروذ وموسى عليه السلام لم يحترق حين ألقى في التنور فكيف يحترق هنا؟ ومنهم من قال: احترقت اليد دون اللسان لئلا يحصل حق المواكلة والممالحة . الثالث: احترق اللسان دون اليد لأن الصولة ظهرت باليد أما اللسان فقد خاطبه بقوله يا أبت . والرابع: احترقا معًا لئلا تحصل المواكلة والمخاطبة .
المسألة الثالثة: اختلفوا في أنه عليه السلام لم طلب حل تلك العقدة على وجوه . أحدها: لئلا يقع في أداء الرسالة خلل ألبتة . وثانيها: لإزالة التنفير لأن العقدة في اللسان قد تفضي إلى الإستخفاف بقائلها وعدم الالتفات إليه . وثالثها: إظهارًا للمعجزة فكما أن حبس لسان زكريا عليه السلام عن الكلام كان معجزًا في حقه فكذا إطلاق لسان موسى عليه السلام معجز في حقه . ورابعها: طلب السهولة لأن إيراد مثل هذا الكلام على مثل فرعون في جبروته وكبره عسر جدًا فإذا انضم إليه تعقد اللسان بلغ العسر إلى النهاية ، فسأل ربه إزالة تلك العقدة تخفيفًا وتسهيلًا .
المسألة الرابعة: قال الحسن C: إن تلك العقدة زالت بالكلية بدليل قوله تعالى: { قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى } [ طه: 36 ] وهو ضعيف لأنه عليه السلام لم يقل واحلل العقدة من لساني بل قال: { واحلل عُقْدَةً مّن لِّسَانِي } فإذا حل عقدة واحدة فقد آتاه الله سؤله ، والحق أنه انحل أكثر العقد وبقي منها شيء قليل لقوله: حكاية عن فرعون