فهرس الكتاب

الصفحة 4907 من 8321

أما قوله تعالى: { فرجعناك إلى أُمّكَ } أي رددناك ، وقال في موضع آخر: { فرددناه إلى أُمّهِ } [ القصص: 13 ] وهو كقوله: { قَالَ رَبّ ارجعون } [ المؤمنون: 99 ] أي ردوني إلى الدنيا ، أما قوله: { كَي تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ } فالمراد أن المقصود من ردك إليها حصول السرور لها وزوال الحزن عنها ، فإن قيل: لو قال كي لا تحزن وتقر عينها كان الكلام مفيدًا لأنه لا يلزم من نفي الحزن حصول السرور لها ، وأما لما قال أولًا كي تقر عينها كان قوله بعد ذلك: { وَلاَ تَحْزَنْ } فضلًا لأنه متى حصل السرور وجب زوال الغم لا محالة ، قلنا: المراد أنه تقر عينها بسبب وصولك إليها فيزول عنها الحزن بسبب عدم وصول لبن غيرها إلى باطنك . والمنة الخامسة: قوله: { وَقَتَلْتَ نَفْسًا فنجيناك مِنَ الغم } فالمراد به وقتلت بعد كبرك نفسًا وهو الرجل الذي قتله خطأ بأن وكزه حيث استغاثه الإسرائيلي عليه وكان قبطيًا فحصل له الغم من وجهين ، أحدهما: من عقاب الدنيا وهو اقتصاص فرعون منه ما حكى الله تعالى عنه: { فَأَصْبَحَ فِى المدينة خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } [ القصص: 18 ] والآخر من عقاب الله تعالى حيث قتله لا بأمر الله فنجاه الله تعالى من الغمين ، أما من فرعون فحين وفق له المهاجرة إلى مدين وأما من عقاب الآخرة فلأنه سبحانه وتعالى غفر له ذلك . المنة السادسة: قوله: { وفتناك فُتُونًا } وفيه أبحاث:

البحث الأول: في قوله: { فُتُونًا } وجهان: أحدهما: أنه مصدر كالعكوف والجلوس والمعنى وفتناك حقًا وذلك على مذهبهم في تأكيد الأخبار بالمصادر كقوله تعالى: { وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيمًا } [ النساء: 164 ] ، والثاني: أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز وبدور في حجزة وبدرة أي فتناك ضروبًا من الفتن وههنا سؤالان . السؤال الأول: إن الله تعالى عدد أنواع مننه على موسى عليه السلام في هذا المقام فكيف يليق بهذا الموضع قوله: { وفتناك فُتُونًا } . الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الفتنة تشديد المحنة ، يقال فتن فلان عن دينه إذا اشتدت عليه المحنة حتى رجع عن دينه قال تعالى: { فَإِذَا أُوذِىَ فِى الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله } [ العنكبوت: 10 ] وقال تعالى: { الم * أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذبين } [ العنكبوت: 1 3 ] وقال: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البأساء والضراء وَزُلْزِلُواْ حتى يَقُولَ الرسول والَّذِينَ آمَنُوا مَعهُ متَى نَصْرَ الله } [ البقرة: 214 ] فالزلزلة المذكورة في الآية ومس البأساء والضراء هي الفتنة والفتون ، ولما كان التشديد في المحنة مما يوجب كثرة الثواب لا جرم عده الله تعالى من جملة النعم . وثانيها: { فتناك فُتُونًا } أي خلصناك تخليصًا من قولهم: فتنت الذهب من الفضة إذا أردت تخليصه وسأل سعيد بن جبير ابن عباس عن الفتون فقال: نستأنف له نهارًا يا ابن جبير . ثم لما أصبح أخذ ابن عباس يقرأ عليه الآيات الواردة في شأن موسى عليه السلام من ابتداء أمره فذكر قصة فرعون وقتله أولاد بني إسرائيل ثم قصة إلقاء موسى عليه السلام في اليم والتقاط آل فرعون إياه وامتناعه من الإرتضاع من الأجانب ، ثم قصة أن موسى عليه السلام أخذ لحية فرعون ووضعه الجمرة في فيه ، ثم قصة قتل القبطي ، ثم هربه إلى مدين وصيرورته أجيرًا لشعيب عليه السلام ، ثم عوده إلى مصر وأنه أخطأ الطريق في الليلة المظلمة واستئناسة بالنار من الشجرة وكان عند تمام كل واحدة منها يقول هذا من الفتون يا ابن جبير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت