« يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا: فنودوا ذاك أردت لكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة مخبتين تراءون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي كنت أهون الناظرين عليكم فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع حرمتكم من النعيم » وثانيها: قال سليمان بن علي لحميد الطويل: عظني فقال إن كنت إذا عصيت الله خاليًا ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على أمر عظيم ، وإن كنت ظننت أنه لا يراك فلقد كفرت . وثالثها: قال حاتم الأصم: طهر نفسك في ثلاثة أحوال: إذا كنت عاملًا بالجوارح فاذكر نظر الله إليك . وإذا كنت قائلًا فاذكر سمع الله إليك ، وإذا كنت ساكتًا عاملًا بالضمير فاذكر علم الله بك إذ هو يقول: { إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى } [ طه: 46 ] . ورابعها: اعلم أنه لا اطلاع لأحد على أسرار حكمة الله تعالى ، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل فاستحقروا البشر . ووقع نظرهم على طاعة إبليس فاستعظموه ، أما علام الغيوب فإنه كان عالمًا بأنهم وإن أتوا بالفساد والقتل لكنهم سيأتون بعده بقولهم: { رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } [ الأعراف: 23 ] وأن إبليس وإن أتى بالطاعات لكنه سيأتي بعدها بقوله: { أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } ، ومن شأن العقل أن لا يعتمد على ما يراه وأن يكون أبدًا في الخوف والوجل ، فقوله تعالى: { إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات } معناه أن الذي أعرف الظاهر والباطن والواقع والمتوقع وأعلم أنه ما ترونه عابدًا مطيعًا سيكفر ويبعد عن حضرتي ، ومن ترونه فاسقًا بعيدًا سيقرب من خدمتي ، فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الجهل ولا يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العجز فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه . ثم إنه سبحانه حقق من علم الغيب وعجز الملائكة أن أظهر من البشر كمال العبودية ومن أشد ساكني السموات عبادة كمال الكفر لئلا يغتر أحد بعمله ويفوضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته .