البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» : { الذي جَعَلَ } مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أو لأنه صفة لربي أو منصوب على المدح وهذا من مظانه ومجازه ، واعلم أنه يجب الجزم بكونه خبرًا لمبتدأ محذوف إذ لو حملناه على الوجهين الباقيين لزم كونه من كلام موسى عليه السلام ولو كان كذلك لفسد النظم بسبب قوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّن نبات شتى } على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .
البحث الثالث: المراد من كون الأرض مهدًا أنه تعالى جعلها بحيث يتصرف العباد وغيرهم عليها بالقعود والقيام والنوم والزراعة وجميع وجوه المنافع وقد ذكرناه مستقصى في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض فِرَاشًا والسماء بِنَاء } [ البقرة: 22 ] . وثانيها: قوله تعالى: { وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا } قال صاحب «الكشاف» سلك من قوله: { مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ } [ المدثر: 42 ] { كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين } [ الشعراء: 200 ] أي جعل لكم فيها سبلًا ووسطها بين الجبال والأودية والبراري . وثالثها: قوله: { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } والكلام فيه قد مر في سورة البقرة أما قوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّن نبات شتى } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { فَأَخْرَجْنَا } فيه وجوه . أحدها: أن يكون هذا من تمام كلام موسى عليه السلام كأنه يقول ربي الذي جعل لكم كذا وكذا فأخرجنا نحن معاشر عباده بذلك الماء بالحراثة أزواجًا من نبات شتى . وثانيها: أن عند قوله: { وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء } تم كلام موسى عليه السلام ثم بعد ذلك أخبر الله تعالى عن صفة نفسه متصلًا بالكلام الأول بقوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } ثم يدل على هذا الاحتمال قوله: { كُلُواْ وارعوا أنعامكم } . وثالثها: قال صاحب «الكشاف» انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم المطاع للإيذان بأنه سبحانه وتعالى مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لأمره ومثله قوله تعالى: { وَهُوَ الذي أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَىْء } [ الأنعام: 99 ] { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أنَزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا } [ فاطر: 27 ] { أَمَّنْ خَلَقَ السموات والأرض وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السماء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } [ النمل: 60 ] واعلم أن قوله: { فَأَخْرَجْنَا } إما أن يكون من كلام موسى عليه السلام أو من كلام الله تعالى والأول باطل لأن قوله بعد ذلك: { كُلُواْ وارعوا أنعامكم إِنَّ فِى ذلك لأيات لأُوْلِى النهى مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } لا يليق بموسى عليه السلام وأيضًا فقوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّن نبات شتى } لا يليق بموسى لأن أكثر ما في قدرة موسى عليه السلام صرف المياه إلى سقي الأراضي وأما إخراج النبات على اختلاف ألوانها وطبائعها فليس من موسى عليه السلام فثبت أن هذا كلام الله ولا يجوز أن يقال كلام الله ابتداؤه من قوله: { فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مّن نبات شتى } لأن الفاء يتعلق بما قبله فلا يجوز جعل هذا كلام الله تعالى وجعل ما قبله كلام موسى عليه السلام فلم يبق إلا أن يقال: إن كلام موسى عليه السلام تم عند قوله: { لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى } ثم ابتدىء كلام الله تعالى من قوله: { الذى جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْدًا } ويكون التقدير هو الذي { جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْدًا } فيكون الذي خبر مبتدأ محذوف ويكون الانتقال من الغيبة إلى الخطاب التفاتًا .