المسألة الرابعة: قرىء عصيهم بالضم وهو الأصل والكسر إتباع نحو دلي ودلي وقسي وقسي وقرىء تخيل بالتاء المنقوطة من فوق بإسناد الفعل إلى الحبال والعصي وقرىء بالضم بالياء المنقطة من تحت بإسناد الفعل إلى الكيد والسحر وقال الفراء أي يخيل إليه سعيها .
المسألة الخامسة: الهاء في قوله: { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ } كناية عن موسى عليه السلام والمراد أنهم بلغوا في سحرهم المبلغ الذي صار يخيل إلى موسى عليه السلام أنها تسعى كسعي ما يكون حيًا من الحيات لا أنها كانت حية في الحقيقة ويقال إنهم حشوها بما إذا وقعت الشمس عليه يضطرب ويتحرك . ولما كثرت واتصل بعضها ببعض فمن رآها كان يظن أنها تسعى ، فأما ما روي عن وهب أنهم سحروا أعين الناس وعين موسى عليه السلام حتى تخيل ذلك مستدلًا بقوله تعالى: { فَلَمَّا أَلْقُوْاْ سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس } [ الأعراف: 116 ] وبقوله تعالى: { يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى } فهذا غير جائز لأن ذلك الوقت وقت إظهار المعجزة والأدلة وإزالة الشبهة فلو صار بحيث لا يميز الموجود عن الخيال الفاسد لم يتمكن من إظهار المعجزة فحينئذ يفسد المقصود ، فإذن المراد أنه شاهد شيئًا لولا علمه بأنه لا حقيقة لذلك الشيء لظن فيها أنها تسعى ، أما قوله تعالى: { فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً موسى } فالإيجاس استشعار الخوف أي وجد في نفسه خوفًا ، فإن قيل: إنه لا مزيد في إزالة الخوف على ما فعله الله تعالى في حق موسى عليه السلام فإنه كلمه أولًا وعرض عليه المعجزات الباهرة كالعصا واليد ، ثم إنه تعالى صيرها كما كانت بعد أن كانت كأعظم ثعبان ، ثم إنه أعطاه الاقتراحات الثمانية وذكر ما أعطاه قبل ذلك من المنن الثمانية ثم قال له بعد ذلك كله: { إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى } [ طه: 46 ] فمع هذه المقدمات الكثيرة كيف وقع الخوف في قلبه والجواب عنه من وجوه . أحدها: أن ذلك الخوف إنما كان لما طبع الآدمي عليه من ضعف القلب وإن كان قد علم موسى عليه السلام أنهم لا يصلون إليه وأن الله ناصره وهذا قول الحسن . وثانيها: أنه خاف أن تدخل على الناس شبهة فيما يرونه فيظنوا أنهم قد ساووا موسى عليه السلام ويشتبه ذلك عليهم وهذا التأويل متأكد بقوله: { لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى } وهذا قول مقاتل . وثالثها: أنه خاف حيث بدأوا وتأخر إلقاؤه أن ينصرف بعض القوم قبل مشاهدة ما يلقيه فيدوموا على اعتقاد الباطل . ورابعها: لعله عليه السلام كان مأمورًا بأن لا يفعل شيئًا إلا بالوحي فلما تأخر نزول الوحي عليه في ذلك الوقت خاف أن لا ينزل الوحي في ذلك الوقت فيبقى في الخجالة .