فهرس الكتاب

الصفحة 4970 من 8321

المسألة الثالثة: أنه تعالى وصف الأرض ذلك الوقت بصفات . أحدها: كونها قاعًا وهو المكان المطمئن وقيل مستنقع الماء . وثانيها: الصفصف وهو الذي لا نبات عليه . وقال أبو مسلم: القاع الأرض الملساء المستوية وكذلك الصفصف . وثالثها: قوله: { لاَّ ترى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا } وقال صاحب «الكشاف» : قد فرقوا بين العِوج والعَوج فقالوا: العوج بالكسر في المعاني والعوج بالفتح في الأعيان ، فإن قيل: الأرض عين فكيف صح فيها المكسور العين؟ قلنا: اختيار هذا اللفظ له موقع بديع في وصف الأرض بالاستواء ونفي الاعوجاج ، وذلك لأنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها وبالغت في التسوية فإذا قابلتها المقاييس الهندسية وجدت فيها أنواعًا من العوج خارجة عن الحس البصري . قال فذاك القدر في الاعوجاج لما لطف جدًا ألحق بالمعاني فقيل فيه: عوج بالكسر ، واعلم أن هذه الآية تدل على أن الأرض تكون ذلك اليوم كرة حقيقية لأن المضلع لا بد وأن يتصل بعض سطوحه بالبعض لا على الاستقامة بل على الاعوجاج وذلك يبطله ظاهر الآية . ورابعها: الأمت النتوء اليسير ، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت وتحصل من هذه الصفات الأربع أن الأرض تكون ذلك اليوم ملساء خالية عن الارتفاع والانخفاض وأنواع الانحراف والإعوجاج .

الصفة الثانية: ليوم القيامة قوله: { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الداعى لاَ عِوَجَ لَهُ } وفي الداعي قولان: الأول: أن ذلك الداعي هو النفخ في الصور وقوله: { لاَ عِوَجَ لَهُ } أي لا يعدل عن أحد بدعائه بل يحشر الكل . الثاني: أنه ملك قائم على صخرة بيت المقدس ينادي ويقول: أيتها العظام النخرة ، والأوصال المتفرقة ، واللحوم المتمزقة ، قومي إلى ربك للحساب والجزاء . فيسمعون صوت الداعي فيتبعونه ، ويقال: إنه إسرافيل عليه السلام يضع قدمه على الصخرة فإن قيل هذا الدعاء يكون قبل الإحياء أو بعده؟ قلنا: إن كان المقصود بالدعاء إعلامهم وجب أن يكون ذلك بعد الإحياء لأن دعاء الميت عبث وإن لم يكن المقصود إعلامهم بل المقصود مقصود آخر مثل أن يكون لطفًا للملائكة ومصلحة لهم فذلك جائز قبل الإحياء .

الصفة الثالثة: قوله: { وَخَشَعَتِ الأصوات للرحمن فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا } وفيه وجوه: أحدها: خشعت الأصوات من شدة الفزع وخضعت وخفيت فلا تسمع إلا همسًا وهو الذكر الخفي ، قال أبو مسلم: وقد علم الإنس والجن بأن لا مالك لهم سواه فلا يسمع لهم صوت يزيد على الهمس وهو أخفى الصوت ويكاد يكون كلامًا يفهم بتحريك الشفتين لضعفه . وحق لمن كان الله محاسبه أن يخشع طرفه ويضعف صوته ويختلط قوله ويطول غمه . وثانيها: قال ابن عباس Bهما والحسن وعكرمة وابن زيد: الهمس وطء الأقدام ، فالمعنى أنه لا تسمع إلا خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت